الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 158
يَشْكُرُونَ (37) وقد فعل بنقل الطائف إليه
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي نسر وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ زائدة شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (38) يحتمل أن يكون من كلامه تعالى أو كلام إبراهيم
الْحَمْدُ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ، وأما إجابة قوله: (فاجعل أفئدة الخ) ، فقد حصلت بجرهم، وذلك أنه لما جاء بإسماعيل وأمه وضعهما عند البيت مكان زمزم، وليس بمكة أحد ولا بناء ولا ماء، ثم قام ابراهيم منطلقا فتبعته هاجر فقالت: أين تذهب وتتركني بهذا الوادي الذي ليس به إنس ولا شيء؟ فلم يلتفت، فقالت: اللّه أمرك بذلك؟ قال: نعم. فقالت: إذا لا يضيعني. ثم رجعت فانطلق ابراهيم ثم رفع يديه إلى السماء وقال: رب إني أسكنت حتى بلغ يشكرون، وترك عندها جرابا من تمر وسقاء من ماء، فلما نفذ الماء عطشت هي وابنها، فجاء جبريل وضرب موضع زمزم بعقبه أو بجناحه، فخرج الماء فجعلت تشرب منه، فمكثوا كذلك حتى مرت بهم قبيلة من جرهم كانوا ذاهبين إلى الشام فعطشوا، فرأوا الماء عندها، فقالوا لها: تأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، فلما شب إسماعيل تعلم منهم العربية، وكان أنفسهم وأعجبهم، فزوجوه بامرأة منهم وماتت أمه بعد ما تزوج اهـ خازن.
وفي البيضاوي: أنهم لما أتوها قالوا لها: أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت اهـ.
وقول الخازن: فقد حصلت بجرهم الخ بيان لأول آثار هذا الدعاء، وقد استمر قصد الحجاج والعمار لهذا البيت كل عام إلى آخر الزمان.
قوله: رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ أي: تعلم السر كما تعلم العلن علما لا تفاوت فيه، والمعنى أنك تعلم أحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا وأنت أرحم منا بنا، فلا حاجة إلى الدعاء والطلب إنما ندعوك إظهارا للعبودية لك وتخشعا لعظمتك وتذللا لعزتك وافتقارا إلى ما عندك. وقيل: معناه تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة اسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع، وما نعلن يعني من البكاء، وقيل: ما نخفي يعني الحزن المتمكن في القلب،، وما نعلن يعني ما جرى بينه وبين هاجر عند الوداع حيث قالت لإبراهيم: إلى من تكلنا؟ قال: إلى اللّه قالت: إذا لا يضيعنا اهـ خازن.
قوله: (يحتمل أن يكون) أي: قوله: وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ الخ من كلامه تعالى أو من كلام إبراهيم عليه السّلام، وقد قيل: بكل منهما. فإن قيل بالأول فهو اعتراض بين كلامي إبراهيم، وإن قيل بالثاني ففيه وضع الظاهر موضع المضمر، وهو ما عليه الأكثرون تصديقا لإبراهيم عليه السّلام اهـ كرخي.
قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الخ هذا قاله إبراهيم في وقت آخر لا عقب ما تقدم من الدعاء، لأن الظاهر أنه عليه السّلام دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها وهي ترضعه، ووضعها عند البيت وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت اهـ زاده.
وفي الكرخي: وزمان الدعاء والحمد مختلف، فإن الدعاء في طفولية إسماعيل ولم يكن إسحاق حينئذ. وحاصله مع الايضاح أن هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء، فاندفع ما قيل إن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام إنما دعا بهذا