الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 167
الصحيحين، وروى مسلم حديث «سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط» وَبَرَزُوا خرجوا من القبور لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (48)
وَتَرَى يا محمد تبصر الْمُجْرِمِينَ الكافرين يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ مشدودين مع شياطينهم فِي الْأَصْفادِ (49) القيود والأغلال الرابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، فيكونون أكثر منهم بأربعين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء الخامسة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، فيكونون مثلهم خمسون مرة ثم تنزل ملائكة السماء السادسة فيحدقون من ورائهم حلقة واحدة، وهم مثلهم ستون مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، وهم مثلهم سبعون مرة، والخلق تتداخل وتندمج حتى يعلو القدم ألف قدم لشدة الزحام، ويخوض الناس في العرق على أنواع مختلفة إلى الأذقان، وإلى الصدور، وإلى الحقوين، وإلى الركبتين، ومنهم من يصيبه الرشح اليسير كالقاعد في الحمام، ومنهم من يصيبه البلة بكسر الموحدة وتشديد اللام كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق والأرق، وقد قربت الشمس من رؤوسهم حتى لو مد أحدهم يده لنا لها وتضاعف حرها سبعين مرة قال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لاحترقت الأرض وذاب الصخر ونشفت الأنهار، فبينما الخلائق يموجون في تلك الأرض البيضاء التي ذكرها اللّه حيث يقول يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ الخ اهـ.
فتحصل من مجموع كلامه أن تبديل هذه الأرض بأرض أخرى من فضة يكون قبل الصراط، وتكون الخلائق إذ ذاك مرفوعة في أيدي الملائكة، وأن تبديل الأرض بأرض من خبز يكون بعد الصراط، وتكون الخلائق إذ ذاك على الصراط، وهذه الأرض خاصة بالمؤمنين عند دخولهم الجنة تأمل. وقوله: فيما تقدم وأدامهم زيادة كبد ثور الجنة الخ. ذكر في موضع آخر من التذكرة ما نصه:
وإدامهم يومئذ ثور ونون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفا، وهذا الثور هو الذي كان يأكل من أطراف الجنة ينحر لهم يومئذ، وزيادة كبد الحوت قطعة منه كالأصبع. عن كعب الأحبار قال: إن اللّه تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزورا وإني أعطيتكم اليوم حوتا وثورا فيجزران لأهل الجنة تأمل: قوله: (أين الناس يومئذ) أي يوم تبدل الأرض. قوله: وَبَرَزُوا معطوف على تبدل، فهو بمعنى المضارع أي: واذكر يوم يبرز الخلائق جميعا من القبور ليستوفوا جزاء أعمالهم هذه هي علة الخروج كما سيأتي في الشرح أن قوله لِيَجْزِيَ الخ متعلق ببرزوا اهـ شيخنا.
قوله: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ معطوف على تبدل، وقوله: مُقَرَّنِينَ حال، وقوله: سَرابِيلُهُمْ حال ثانية، وقوله: وتغشى معطوف على الحال. قوله: (مشدودين مع شياطينهم) عبارة البيضاوي: قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، كقوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ[التكوير:
7]أو قرنوا مع الشياطين، أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وهو يحتمل أن يكون تمثيلا لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم اهـ.
قوله: فِي الْأَصْفادِ جمع صفد بفتحتين وهو القيد، والأغلال جمع غل بضم الغين وهو طوق من حديد اهـ شيخنا.