الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 179
فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (22) أي ليست خزائنه بأيديكم
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (23) الباقون نرث جميع الخلق
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي من تقدم من الخلق من لدن آدم وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) المتأخرين إلى يوم القيامة
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ في فتدره كما تدر الملقحة ثم تمطره وقال أبو عبيد: يبعث اللّه الريح المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاما ثم يبعث اللواقع فتلقحه اهـ خطيب.
قال أبو بكر بن يعيش: لا تقطر قطرة من السماء إلا بعد أن تعمل فيها الرياح الأربعة، فالصبا تهيج السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه اهـ خازن.
قوله: لَواقِحَ حال مقدرة من الرياح وفي اللواقح أقوال، أحدها: أنها جمع ملقح، لأنه من ألقح يلقح فهو ملقح فجمعه ملاقح فحذفت الميم تخفيفا. يقال: ألقحت الريح السحاب كما يقال ألقح الفحل الأنثى وهذا قول أبي عبيدة. والثاني: أنها جمع لاقح يقال لقحت الريح إذا حملت الماء، وقال الأزهري: حوامل تحمل السحاب كقولك: ألقحت الناقة فلقحت إذا حملت الجنين في بطنها فشبهت الريح بها. الثالث: أنها جمع لاقح على النسب كلابن وتامر أي ذات لقاح قاله الفراء اهـ سمين.
وفي المختار: ألقح الفحل الناقة والريح السحاب، ورياح لواقح ولا تقل ملاقح وهو من النوادر اهـ.
وفي القاموس: وألقحت الرياح الشجر فهي لواقح وملاقح اهـ.
قوله: (تلقح السحاب) أي تمج الماء فيه. قوله: فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي جعلناه لكم سقيا أي معدا لسقي أنفسكم وأراضيكم ومواشيكم اهـ زاده.
قوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ نحن يجوز أن يكون مبتدأ ونحيي خبره، والجملة خبر إنا. ويجوز أن يكون تأكيدا لنا في إنا، ولا يجوز أن يكون فصلا لأنه لم يقع بين اسمين، وقد تقدم نظيره. وقال أبو البقاء:
لا يكون فصلا لوجهين، أحدهما: أن بعده فعلا، والثاني: أنه معه اللام. قلت: الوجه الثاني غلط، فإن لام التوكيد لا يمتنع دخولها على الفصل كما نص على ذلك النحاة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ [آل عمران: 62] فقد جوزوا فيه الفصل مع اقترانه باللام اهـ سمين.
قوله: (نرث جميع الخلق) أي فلا يبقى أحد سوانا فيزول ملك كل مالك، ويبقى جميع ملك المالكين لنا. والوارث: هو الباقي بعد ذهاب غيره، واللّه تعالى هو الباقي بعد فناء خلقه الذين أمتعهم في الدنيا بما آتاهم، فإذا أفنى جميع الخلائق رجع الذين كانوا يملكونه في الدنيا على المجاز إلى مالكه على الحقيقة وهو اللّه تعالى اهـ خازن.
يعني: أن الوارث من يخلف الميت في تملك تركته وهو مستحيل في حقه تعالى لأنه مالك للموجودات بأسرها أصالة لا خلافه، فوجب جعله مستعارا لمعنى الباقي بعد فناء خلقه تشبيها له بوارث الميت في بقائه بعد فنائه اهـ زاده.