الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 182
أَلَّا زائدة تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32)
قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لا ينبغي لي أن أسجد لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33)
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة وقيل من السماوات فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) مع الساجدين استئناف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستثناء، فإن مطلق عدم السجود قد يكون مع التردد، وبقوله أَبى الخ علم أنه مع الاباء الاستكبار أو منقطع، فيتصل به ما بعده أي لكن إبليس أبى أن يكون معهم اهـ.
قوله: قالَ (تعالى) يا إِبْلِيسُ الخ ظاهره يقتضي أن اللّه تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة، لأن إبليس قال في الجواب لم أكن لأسجد لبشر خلقته، فقوله خطاب الحضور لا خطاب الغيبة، فقول بعض المتكلمين إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله ضعيف. فإن قيل: كيف يعقل هذا مع أن مكالمة اللّه تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة؟ فالجواب: أن مكالمة اللّه تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كانت على سبيل الإكرام والإعظام، فأما إذا كانت على سبيل الإهانة والاذلال فلا اهـ كرخي.
قوله: (ما منعك) حل معنى حمله عليه مراعاة الآية الأخرى المذكورة، وإلّا فما استفهامية مبتدأ ولك خبرها، والاستفهام للتوبيخ والتقريع. وعبارة البيضاوي: أي غرض لك في أن لا تكون مع الساجدين انتهت. وعليها فليست لا زائدة اهـ.
قوله: أَلَّا أي: من أن لا وقوله (زائدة) أي: بدليل ما في سورة ص ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص: 75] ، وعلى عدم زيادتها يكون المقدر في أي ما عذرك في أن لا تكون اهـ.
قوله: (لا ينبغي لي أن أسجد) أي: لا يصح مني ولا يليق بحالي، فاللام لتأكيد النفي اهـ بيضاوي.
قوله: لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ أي وخلقتني من نار، وهي أشرف من الطين المتغير المنتن، لأنها نيرة والطين كثيف مظلم اهـ شيخنا.
وفي الكرخي: وحاصل كلامه أن كونه بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا وهو كان روحانيا لطيفا، فكأنه يقول البشر جسماني كثيف أدون حالا من الروحاني اللطيف، فكيف يسجد الأعلى للأدنى، وأيضا فآدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل إبليس هي النار، وهي أشرف العناصر، فكأن أصل إبليس أشرف من أصل آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون، فهذا مجموع شبه إبليس اهـ.
قوله: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها الفاء في جواب شرط مقدر أي: فحيث عصيت وتكبرت فاخرج منها اهـ.
قوله: (أي من الجنة الخ) إشارة للخلاف في قصة امتناع إبليس من السجود هل كانت قبل دخول آدم الجنة، أو وهو فيها كما هو مذكور في كتب السير؟ وقوله: رَجِيمٌ في المصباح: الرجيم بفتحتين الحجارة، والرجم القبر سمي بذلك لما يجتمع عليه على الأحجار، ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم اهـ.