الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 187
نَصَبٌ تعب وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (48) أبدا
* نَبِّئْ خبر يا محمد عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الضمير في متقابلين اهـ كرخي.
قوله: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي بفتح الياء فيهما وسكونها فيهما سبعيتان، وأنا تأكيد لاسم أن، أو ضمير فصل، أو مبتدأ خبره ما بعده، والجملة خبر أن اهـ شيخنا.
قوله: (للمؤمنين) أي للعصاة منهم.
قوله: وَأَنَّ عَذابِي أي إن عذبت، وقوله هُوَ الْعَذابُ إما ضمير فصل أو مبتدأ، ولا يصح أن يكون تأكيدا، لأن الظاهر لا يؤكد بالضمير اهـ شيخنا.
تنبيه في هذه الآية لطائف.
الأولى: أنه سبحانه وتعالى أضاف العباد إلى نفسه، وهذا تشريف عظيم. ألا ترى أنه قال لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: 1] .
الثانية: أنه تعالى لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيدات بألفاظ ثلاثة. أولها: قوله أَنِّي، وثانيها: أَنَا، وثالثها: إدخال الألف واللام على قوله الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ولما ذكر العذاب لم يقل إني أنا المعذب وما وصف نفسه بذلك، بل قال وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ.
الثالثة: أنه أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة.
والرابعة: أنه لما قال نَبِّئْ عِبادِي كان معناه نبىء كل من كان معترفا بعبوديتي، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع، كذلك يدخل فيه المؤمن العاصي، فكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من اللّه تعالى.
وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إن اللّه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأسكن منها عنده تسعة وتسعين، وأرسل في خلقه رحمة واحدة فلو يعلم الكافر بكل الذي عند اللّه من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند اللّه من العذاب لم يأمن من النار» .
وعنه عبادة رضي اللّه عنه قال: بلغنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «لو يعلم العبد قدر عفو اللّه ما تورع عن حرام، ولو يعلم قدر عذابه لجمع نفسه إلى قتلها» .
وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه مر بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال: «اتضحكون وبين أيديكم النار» فنزل نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ولما بالغ تعالى في تقرير النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد ثم ذكر تعالى عقبه أحوال القيامة ووصف الأشقياء والسعداء أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم السّلام ليكون سماعها مرغبا في العبادة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، محذرا عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء، وافتتح من ذلك بقصة إبراهيم عليه السّلام، فقال: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الخ اهـ خطيب.