الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 199
كتبهم المنزلة عليهم عِضِينَ (91) أجزاء حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل المراد بهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإسلام، وقال بعضهم: في القرآن سحر، قوله: عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ أي: الذين اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها كأوصاف محمد، وكآية الرجم، فاليهود آمنوا ببعض التوراة وهو ما وافق غرضهم وكفروا ببعضها وهو ما خالف غرضهم، وكذلك النصارى. وقوله: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ بيان للمقتسمين، والمراد بالقرآن القرآن بالمعنى اللغوي، فيصح تفسير الشارح له بكتبهم المنزلة عليهم، فقوله: (حيث آمنوا ببعض) أي: وهو ما وافق شهواتهم، وكفروا ببعض وهو ما خالفها كما علمت اهـ شيخنا.
قوله: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ صفة مبينة للمقتسمين. قوله: عِضِينَ جمع عضة، وأصلها عضوة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء، وقيل: عضهة أي عضهته إذا بهته اهـ بيضاوي.
وفي المختار: قال الكسائي: العضة الكذب والبهتان، وجمعها عضون مثل عزة وعزون. قال اللّه تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قيل: نقصانه الواو وهو من عضوته أي: فرقته، لأن المشركين فرقوا أقاويلهم فيه، فجعلوه كذبا وسحرا وكهانة وشعرا. وقيل: نقصانه الهاء وأصله عضهة، لأن العضة والعضين في لغة قريش السحر. يقولون للساحر عاضه اهـ.
قوله: (و قيل المراد بهم الذين اقتسموا الخ) وكانوا اثني عشر اقتسموا طرق مكة أيام الموسم لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول، فأهلكهم اللّه يوم بدر اهـ بيضاوي.
قوله: (و قال بعضهم) معطوف على اقتسموا، فهو من تتمة القيل لا قول ثالث، فالضمير في بعضهم راجع للذين اقتسموا لا للمفسرين، لكن الذي قاله المقتسمون على هذا القيل إن محمدا ساحر، إن محمدا شاعر، إن محمدا كاهن لا ما ذكره الشارح بقوله. (و قال بعضهم في القرآن الخ) ، ولعله نظر للاستلزم، إذ وصف محمد بهذه الأوصاف يستلزم نسبتها للقرآن اهـ شيخنا.
وفي القرطبي: واختلف في المقتسمين على أقوال سبعة.
الأول: قال مقاتل والفراء هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا أعقاب مكة وأنقابها وفجاجها يقولون لمن سلكها لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة، فإنه مجنون، وربما قالوا ساحر، وربما قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن، وسموا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق، فأماتهم اللّه شر ميتة، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكما على باب المسجد، فإذا سألوه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: صدق أولئك.
الثاني: قال قتادة هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب اللّه، فجعلوا بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأولين.
الثالث: قال ابن عباس هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وكذلك قال عكرمة: هم أهل الكتاب، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا مستهزئين فيقول بعضهم: هذه السورة لي وهذه لك.
وهذا هو القول الرابع.
الخامس: قال قتادة: اقتسموا كتابهم ففرقوه وبددوه.