الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 208
تحريم أكله، ولأن اللّه خص الأنعام بالأكل حيث قال: وَمِنْها تَأْكُلُونَ وخص هذه بالركوب فقال:
لِتَرْكَبُوها فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل. وذهب جماعة من أهل العلم إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن، وشريح، وعطاء، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق واحتجوا على إباحة لحوم الخيل بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: نحرنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه. أخرجه البخاري ومسلم.
وروى الشيخان عن جابر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل. وفي رواية قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحوش. ونهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحمار الأهلي هذه رواية البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، وكنا قد أصابتنا مخمصة، فنهانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن البغال والحمير، ولم ينهانا عن الخيل. وأجاب من أباح لحوم الخيل عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتها مختصة بذلك، وإنما خص هاتان المنفعتان بالذكر لأنهما معظم المقصود. قالوا: ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل مع قوله في الأنعام: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ ولم يلزم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. وقال البغوي: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منها تعريف اللّه عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحه لحوم الخيل بأن السنة مبينة للكتاب، ولما كان نص الآية يقتضي أن الخيل والبغال مخلوقة للركوب والزينة، وكان الأكل مسكوتا عنه ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم، ووردت السنة بإباحة لحوم الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير أخذنا به جمعا بين النصين واللّه أعلم بمراده اهـ بحروفه.
قوله: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ لما ذكر اللّه تعالى الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في جميع حالاته وضرورياته على سبيل التفصيل ذكر بعدها ما لا ينتفع به الإنسان في الغالب على سبيل الاجمال، كالطيور والسباع والوحوش، وقد أشار لهذا الشارح. أو يقال وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ أي في الجنة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أو يقال: ويخلق ما لا تعلمون من السوس في النبات، والدود في الفاكهة اهـ شيخنا.
قوله: (من الأشياء العجيبة) أي من الحيوانات، وأما غيرها فسيذكره بقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً الخ هكذا فهم أبو حيان اهـ شيخنا.
قوله: وَعَلَى اللَّهِ أي تفضلا قصد السبيل على تقدير مضاف أي: وعلى اللّه بيان قصد السبيل، وهو بيان طريق الهدى من الضلالة اهـ خازن.
وقد أشار له الشارح وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى: وعلى اللّه بيان السبيل القصد وهو الإسلام، والقصد بمعنى المقصود اهـ شيخنا.
فقول الشارح: المستقيم أخذه من قصد. وفي السمين: والقصد مصدر يوصف به فهو بمعنى قاصد يقال: سبيل قصد وقاصد أي: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه اهـ.