الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 213
وَعَلاماتٍ تستدلون بها على الطرق كالجبال وبالنهار وَبِالنَّجْمِ بمعنى النجوم هُمْ يَهْتَدُونَ (16) إلى الطرق والقبلة بالليل
أَفَمَنْ يَخْلُقُ وهو اللّه كَمَنْ لا يَخْلُقُ وهو الأصنام حيث تشركونها معه في العبادة لا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) هذا فتؤمنون
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها قوله: وَعَلاماتٍ جمع علامة ففي المصباح: وأعلمت على كذا بالألف من الكتاب وغيره جعلت عليه علامة، وأعلمت الثوب جعلت له علما من طراز غيره وهو العلامة، وجمع العلم أعلام مثل سبب وأسباب، وجمع العلامة علامات وعلمت له علامة بالتشديد وضعت له أمارة يعرفها اهـ.
قوله: وَبِالنَّجْمِ أل للجنس كما أشار له الشارح وهو بفتح النون وسكون الجيم اهـ شيخنا.
قال السدي: أراد بالنجم الثريا، وبنات نعش، والفرقدين، والجدي، فهذه يهتدى بها إلى الطريق والقبلة قال قتادة: خلق اللّه النجوم لثلاثة أشياء: لتكون زينة للسماء، وعلامة للطرق، ورجوما للشياطين. ومن قال غير هذه فقد تكلف ما لا علم له به اهـ خازن.
وفي الخطيب: ولما كانت الدلالة من النجم أنفع الدلالات وأعمها وأوضحها برا وبحرا ليلا ونهارا نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم، لئلا يظن أن المخاطب مخصوص، وليس كذلك فقال تعالى: وَبِالنَّجْمِ أي: الجنس هم أي: أهل الأرض كلهم، وأولى الناس بذلك المخاطبون وهم قريش، ثم العرب كلها لفرط معرفتهم بالنجوم يهتدون، وقدم الجار تنبيها على أن دلالة غيره بالنسبة إليه سافلة. وقيل: المراد بالنجم الثريا والفرقدان بنات نعش والجدي. وقيل:
الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهوري الاهتداء في مسائرهم بالنجوم اهـ.
قوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ الخ. عبارة الخطيب: ولما ذكر سبحانه وتعالى من عجائب قدرته وبديع خلقه ما ذكر على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل، فكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدمة كلها دالة على كمال قدرة اللّه ووحدانيته، وأنه تعالى المنفرد بخلقها جميعا قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته واشتغل بعبادة هذه الأصنام العاجزة التي لا تضر، ولا تنفع ولا تقدر على شيء أفمن يخلق أي: هذه الأشياء الموجودة وغيرها كمن لا يخلق شيئا من ذلك، بل على إيجاد شيء ما، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادة من لا يستحق العبادة، ويترك عبادة من يستحقها وهو اللّه تعالى اهـ.
وفي الكرخي: وهذا من عكس التشبيه، إذ مقتضى الظاهر عكسه، لأن الخطاب لعباد الأوثان حيث سموها آلهة تشبيها به تعالى، فجعلوا غير الخالق كالخالق، فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتها حتى صارت عندهم أصلا في العبادة، وصار الخالق فرعا، فجاء الانكار على وفق ذلك ليفهموا المراد على معتقدهم، وخاطبهم على معتقدهم لأنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى أولي العلم، ونظيره قوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها [الأعراف: 195] الآية فلا يرد أن المراد بمن لا يخلق الأصنام، فكيف جيء بمن المختصة بأولي العلم اهـ.
قوله: لا أشار به إلى أن الاستفهام للإنكار.
قوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ تذكير إجمالي بنعمة تعالى بعد تعداد طائفة منها، وكان الظاهر