فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 352
وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ سكن لهبها زِدْناهُمْ سَعِيرًا (97) تلهبا واشتعالا
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا منكرين للبعث أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف:
صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم» قيل: يا رسول اللّه كيف يمشون على وجوههم:
«أما أنهم يلقون بوجوههم كل حدب وشوك؟. أخرجه الترمذي والحدب: ما ارتفع من الأرض اهـ.
قوله: عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا أي لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون فإن قلت: كيف وصفهم اللّه بأنهم عمي وبكم وصم، وقد قال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ [الكهف: 53] وقال دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: 13] وقال سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: 12] فأثبت لهم الرؤية والكلام والسمع؟ قلت: فيه أوجه:
أحدها: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما معناه عميا لا يرون ما يسرهم، بكما لا ينطقون بحجة، صما لا يسمعون ما يسرهم.
الوجه الثاني: قيل: معناه يحشرون على ما وصفهم اللّه عز وجل، ثم تعاد إليهم هذه الحواس.
الوجه الثالث: أن هذا حين يقال لهم اخسؤوا فيهما ولا تكلمون فيصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون اهـ خازن.
قوله: مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ مستأنفة أو حال من الضمير المنصوب أو المجرور، وكُلَّما خَبَتْ مستأنفة أيضا أو حال من جهنم، والعامل فيها معنى المأوى اهـ سمين.
وخبت أصله خبوت بوزن قعدت تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا فالتقى ساكنان الألف وتاء التأنيث فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فوزنه الآن فعت بوزن رمت لحذف لامه. وفي القاموس: في باب الواو خبت النار والحرب والحدة خبوا وخبوا سكنت وطفئت، وأخبيتها أطفأتها اهـ.
وفي المصباح: وخبت النار خبوا من باب قعد خمد لهبها ويعدى بالهمزة اهـ.
وفي السمين: وخبت النار تخبو إذا سكن لهبها، فإذا ضعف جمرها قيل خمدت، فإذا طفئت بالجملة قيل همدت، وأدغم التاء في زاي زدناهم أبو عمرو والأخوان وورش، وأظهرها الباقون اهـ.
وكل من خمدت وهمدت من باب قعد كما في المصباح. قوله: (سكن لهبها) بأن أكلت جلودهم ولحومهم زدناهم سعيرا توقدا بأن تبدل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة متسعرة، فإنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جازاهم اللّه بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء، وإليه أشار بقوله ذلِكَ جَزاؤُهُمْ الخ لأن الإشارة إلى ما تقدم من عذابهم اهـ بيضاوي.
قوله: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ يجوز أن يكون مبتدأ وخبرا، وبأنهم متعلق بالجزاء أي ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنهم، ويجوز أن يكون جزاؤهم مبتدأ ثانيا والجار خبره، والجملة خبر ذلك، ويجوز أن يكون جزاؤهم بدلا أو بيانا وبأنهم الخبر اهـ سمين.