فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 365
الإلجاء، فيرجع إلى القدرة على المنع، وقيل نفس المنع فمن قهره جمعه بين الطبائع المتنافرة وإسكان الروح اللطيف النوراني في البدن الكثيف المظلم، ومن قهره تسخير الأفلاك الدائرة وجمع الخلائق في مشيئته، ومنع العقول من الوصول إلى كنه حقيقته، ولا يحيطون به علما، ومعناه الذي يقصم ظهور الجبابرة فيقهرهم بالإماتة والإذلال والإهلاك، فهو من أسماء الأفعال، وقيل: هو الذي قهر قلوب الطالبين فآنسها بلطف مشاهدته. وقيل: هو الغالب جميع الخلائق، وحظ العبد منه قهر النفس الأمارة بالسوء والإضرار بالقوى الشهوانية والغضبية، وتضييق مجاري الشيطان بالصوم قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] الآية.
(الوهاب) مبالغة في الواهب، فمعناه كثير النعم دائم العطاء، والهبة هي العطية الخالية عن العوض والغرض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهابا، ولا تكون حقيقة إلا منه تعالى، إذ لا مالك في الحقيقة إلا هو. وقيل: هو من يكون جزيل العطايا، والنوال كثير المن والإفضال كثير اللطف والإقبال يعطي من غير سؤال ولا يقطع نواله عن العبد بحال، وقيل: هو الذي يعطيك وينعم عليك بلا سبب وحيلة. وحظ العبد منه التشبه بأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه حيث قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما أبقيت لأهلك؟» فقال: اللّه ورسوله. وقال بعض العارفين مما جربت استجابته أن يقول: اللهم هب لي من رحمتك ما لا يمسكه أحد غيرك ست مرات.
(الرزاق) هو مبالغة في الرازق، ومعناه الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم وخلق لهم أسباب التمتع بها، وقيل: الذي يرزق من يشاء من عباده القناعة ويصرف دواعيهم عن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة والرزق على قسمين: ظاهر وهو الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان، وباطن وهي المعارف والمكاشفات، وذلك للقلوب والأسرار، وهذا أشرف الرازقين فإن ثمرته حياة الأبد وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد، واللّه تعالى هو المتولي لخلق الرازقين والمتفضل بإيصالها إلى العباد، ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. قال أصحابنا رحمهم اللّه تعالى:
اسم الرزق لا يختص بالمأكول والمشروب، بل كل ما انتفع به الحيوان من مأكول ومشروب وملبوس وغيرها، فهو رزقه، ومن أعظم الرزق التوفيق للطاعات. وحظ العبد منه أن يتيقن أنه لا رزاق سواه، وأن يقطع مطامعه عن جميع عباده بالثقة بموعوده، ويكف استشرافه إلى جميع خلقه بالرضا بمقدوره، واعلم أنه تعالى يوصل الرزق إلى جميع مخلوقاته، وأن أسباب سعة الرزق كثرة الصلاة لقوله تعالى:
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [طه: 132] والصلاة والسّلام على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأن من آداب العبودية أن يرجع العبد إلى ربه في طلب كل ما يريده من جليل وحقير. وعن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه أنه قال: أمر الرزق بطلبك وأمرت بطلب الجنة فطلبت ما أمر بطلبك وتركت ما أمرت بطلبه.
(الفتاح) مبالغة في الفاتح، ومعناه الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية، وقيل: هو الحاكم بين الخلائق من الفتح بمعنى الحكم، قال تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ [الأعراف: 89] أي احكم.
وقيل: هو الذي يعينك عند الشدائد وينيلك صنوف العوائد، وقيل: هو الذي فتح على النفوس باب