فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 367
أولياءه فيرفعهم، وأن لا يأمن مكر اللّه.
(المعز المذل) المعز هو الذي أعز أولياءه بعصمته ثم غفر لهم برحمته، ثم نقلهم إلى دار كرامته، ثم أكرمهم برؤيته ومشاهدته، والمذل هو الذي أذل أعداءه بحرمان معرفته وركوب مخالفته، ثم نقلهم إلى دار عقوبته وأهانهم بطرده ولعنته. قال بعضهم: ما أعز اللّه عبدا بمثل ما يعرفه بذل نفسه وما أذل اللّه عبدا بمثل ما شغله بعز نفسه، وينبغي للعبد أن يدعو بقوله: اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وقيل: معناهما المعز بالطاعة المذل بالمعصية. وحظ العبد منهما أن يعز الحق وأهله ويذل الباطل وحزبه، وأن يكون ذا عزة على الكافر، قال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [المائدة: 54] .
(السميع البصير) السمع إدراك المسموعات حال حدوثها، والبصر إدراك المبصرات حال وجودها، وهما في حقه تعالى صفتان تنكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافا تاما. وقيل:
معنى السميع دعوات عباده وتضرعهم إليه ولا يشغله نداء عن نداء ولا تمنعه إجابة دعاء عن إجابة دعاء، وقيل: هو الذي أجاب دعوتك عند الاضطرار وكشف محنتك عند الافتقار وغفر زلتك عند الاستغفار، وقيل: معذرتك عند الاعتذار ورحم ضعفك عند الذلة والانكسار، وقيل: هو الذي يسمع المناجات ويقبل الطاعات ويقيل العثرات. وقيل في معنى البصير: هو الذي يبصر ما تحت الثرى.
وحظ العبد منهما أن يتحقق أنه بمسمع من اللّه وبمرأى منه، وتيقن أن اللّه مطلع عليه وناظر إليه ومراقب لجميع أحواله من أقواله وأفعاله، وقيل: من عرف أنه البصير زين باطنه بالمراقبة وظاهره بالمحاسبة، وقيل إذا عصيت مولاك فاعصه في موضع لا يراك فيه، وقال بعض العارفين: من أراد خفاء نفسه عن أعين الناس بحيث لا يرونه فليقرأ عند مروره عليهم: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103] تسع مرات.
(الحكم) بفتحتين ومعناه الحاكم الذي لا مردّ لقضائه ولا معقب لحكمه، وقل: الذي لا يقع في وعده ريب ولا في فعله عيب، وقيل: الذي حكم على القلوب بالرضا والقناعة وعلى النفوس بالانقياد والطاعة، وحظ العبد منه أن يستسلم لحكمه وينقاد لأمره.
(العدل) معناه العادل البالغ في العدل، وهو الذي لا يفعل إلا ما له فعله، وهو في الأصل مصدر أقيم مقام الاسم، فالعدل أقيم مقام العادل كالرب أقيم مقام الراب، وقيل: معناه الذي له أن يفعل ما يريد وحكمه ماض في العبيد، وحظ العبيد منه ترك الإفراط والتفريط وخير الأمور أوساطها.
(اللطيف) معناه العليم بخفيات الأمور ودقائقها وما لطف منها، فيرجع إلى صفات المعاني، وقيل: معناه الميسر لكل عسير الجابر لكل كسير، وقيل: من كلف دون الطاقة وأعطى فوق الكفاية، وقيل: من وفق للعمل في الابتداء وأحسن بالقبول في الانتهاء، وقيل: من رأى فستر وأعطى فوفر وأنعم فأجزل، وقيل: الذي لطف أفعاله وحسنت، وحظ العبد منه أن يتلطف بعباده ويرفق بهم في الدعاء إلى اللّه تعالى، وفي الإرشاد إلى طريق الحق وأن يتيقن أنه تعالى عالم بمكنونات الضمائر وجليات الظواهر. قال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ