الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 399
مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16) بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس ما ترتفقون به من غداء وعشاء
* وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ بالتشديد والتخفيف تميل عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ على أنه إخبار من اللّه تعالى عن الفتية بالتوحيد معترض بين إذ وجوابه، فَأْوُوا أي: التجئوا إلى الكهف. قال الفراء: هو جواب إذ، كما تقول إذ فعلت فعل كذا، وقيل: هو دليل على جوابه أي: إذا اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا، أو إذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف اهـ.
وهذا يفيد أن إذ شرطية مع أنها بدون ما لا تقع شرطية بل تكون ظرفية أو تعليلية. وقد نقل في همع الهوامع أنه قول ضعيف لبعض النحاة، أو يقال: هو تسمح لأنه بمعناه اهـ شهاب.
قوله: يَنْشُرْ لَكُمْ أي: يبسط لكم ويوسع عليكم ربكم مالك أمركم من رحمته في الدارين، وَيُهَيِّئْ: يسهل لكم من أمركم الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين اهـ أبو السعود.
وجزمهم بذلك لخلوص يقينهم وقوة وثوقهم بفضل اللّه تعالى اهـ بيضاوي.
قوله: مِنْ أَمْرِكُمْ متعلق بالفعل قبله، ومن: لابتداء الغاية أو للتبعيض، وقيل: هي بمعنى بدل، قاله ابن الأنباري، ويجوز أن يكون حالا من مرفقا فيتعلق بمحذوف اهـ سمين.
قوله: (و بالعكس) قراءتان سبعيتان، فقرأ الجمهور بكسر الميم وفتح الفاء، ونافع وابن عامر بالعكس، وفيهما اختلاف بين أهل اللغة فقيل: هما بمعنى واحد وهو ما يرتفق به وليس بمصدر، وقيل: هو بالكسر في الميم لليد وبالفتح للأمر، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر حكاه الأزهري عن ثعلب. وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به، فأما الجارحة فبكسر الميم فقط، وأجاز معاذ فتح الميم والفاء هو مصدر كالمضرب والمقتل اهـ سمين.
قوله: (ترتفقون) أي تنتفعون. قوله: وَتَرَى الشَّمْسَ الخ قيل: هنا جمل ثلاث محذوفة تقديرها فأووا إلى الكهف، وناموا، وأجاب اللّه دعاءهم حيث قالوا: رَبَّنا آتِنا الخ، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل أحد، وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه: أنك لو رأيتهم لرأيت الشمس اهـ خطيب.
قوله: إِذا طَلَعَتْ ظرف لترى أو لتزاور، وكذا إذا غربت معمول للأول أو للثاني وهو تقرضهم، والظاهر تمحضه للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية. ومعنى تقرضهم تقطعهم لا تقربهم، والقرض: القطع. وقال الفارسي: معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئا ثم يزول بسرعة كالقرض يسترد، وقد ضعف بأنه كان ينبغي أن يقرأ تقرضهم بضم التاء لأنه من أقرض اهـ سمين.
قوله: تَزاوَرُ في محل الحال لأن ترى بصرية. قوله: (بالتشديد والتخفيف) عبادة السمين:
قرأ ابن عامر تزور بزنة تحمر، والكوفيون تزاور بتخفيف الزاي، والباقون بتثقيلها فتزور بمعنى تميل وتتنحى من الزور وهو الميل، وزاره بمعنى مال إليه، ومنه قول الزور لأنه ميل عن الحق، ومنه الأزور وهو المائل بعينه وبغيرها. وقيل: تزور بمعنى تنقبض من ازور أي انقبض، وأما تزّاور وتزاور فأصلهما تتزاور بتاءين، فالكوفيون حذفوا إحدى التاءين وغيرهم أدغم، وتقدم تحقيق هذه في تظاهرون