الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 10
عليهم وَكانَ تَقِيًّا (13) روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ أي محسنا إليهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا متكبرا عَصِيًّا (14) عاصيا لربه
وَسَلامٌ منا عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) أي في هذه الأيام المخوفة التي يرى فيها ما لم يره قبلها فهو آمن فيها
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ القرآن مَرْيَمَ أي خبرها إِذِ حين انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (16) أي اعتزلت في الناس أي: أعطيناه توفيقا للتصدق عليهم اهـ شيخنا.
وفي البيضاوي: وحنانا من لدنا ورحمة منا عليه أو رحمة وتعطفا في قلبه على أبويه وغيرهما عطف على الحكم وزكاة أي وطهارة من الذنوب أو صدقة أي: تصدق اللّه به على أبويه مكنه ووفقه للتصدق على الناس اهـ.
قوله: وَكانَ تَقِيًّا أي بطبعه، ومن جملة تقواه أنه كان يتقوت بالعشب وكان كثير البكاء فكان لدمعه مجاري على خده اهـ شيخنا.
فإن قيل: ما معنى قوله: وَكانَ تَقِيًّا وهذا ابتداء تكليف؟ فالجواب: أنه إنما خوطب بذلك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم اللّه تعالى عليه اهـ كرخي.
قوله: (و لم يهم بها) من باب رد، وفي المختار: وهم بالشيء أراده وبابه رد اهـ.
قوله: عَصِيًّا صيغة مبالغة، وأشار الشارح إلى أن المراد أصل الفعل فالمنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه، وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء اهـ شيخنا.
قوله: وَسَلامٌ عَلَيْهِ أي أي أمان كما أشار له بقوله: (فهو آمن فيها) اهـ شيخنا.
قوله: يَوْمَ وُلِدَ أي من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم، وقوله: وَيَوْمَ يَمُوتُ أي من عذاب القبر، وقوله: وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا أي من هول الموقف، فهذه الأحوال قد أشار لها الشارح بقوله: (التي يرى فيها ما لم ير قبلها) اهـ شيخنا.
وعبارة الكرخي: قوله: (أي في هذه الأيام الخ) أشار به إلى أن حكمة السّلام عليه في هذه الأيام أنها مواطن الخوف، والسّلام هو الأمن من اللّه فآمنه فيها، وقاله هنا في قصة يحيى منكرا، وقاله بعد في قصة عيسى والسّلام معرفا. لأن الأول من اللّه كما أشار إليه والقليل منه كثير، والثاني من عيسى وأل للاستغراق أو للعهد كما في قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: 16] أي ذلك السّلام الموجه إلى يحيى موجه إلي كما سيأتي إيضاحه اهـ.
قوله: مَرْيَمَ على حذف مضاف كما قدره الشارح بقوله (أي خبرها) أي قصتها، وقوله: إِذِ انْتَبَذَتْ ظرف لهذا المقدر، وليس المراد خصوص الخبر الواقع في وقت الانتباذ بل هو وما بعده إلى آخر القصة، وقوله: فَاتَّخَذَتْ فأرسلنا فتمثل معطوفات على انتبذت اهـ شيخنا.
وفي السمين: قوله: إِذِ انْتَبَذَتْ في إذ أوجه، أحدها: أنها منصوبة باذكر على أنها خرجت عن الظرفية، إذ يستحيل أن تكون باقية على مضيها والعامل فيها ما هو نص في الاستقبال. والثاني:
أنها منصوب بمحذوف مضاف لمريم تقديره واذكر خبر مريم أو نبأها إذا انتبذت فإذ منصوبة بذلك الخبر