الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 11
مكان نحو الشرق من الدار
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا أرسلت سترا تستتر به لتفلي رأسها أو ثيابها أو تغتسل من حيضها فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا جبريل فَتَمَثَّلَ لَها بعد لبسها ثيابها بَشَرًا سَوِيًّا (17) تام الخلق
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) فتنتهي عني بتعوذي
قالَ إِنَّما أَنَا أو النبأ. الثالث: أنها بدل من مريم بدل اشتمال. قال الزمخشري: لأن الأحيان مشتملة على ما فيها لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه اهـ.
قوله: مَكانًا شَرْقِيًّا منصوب على الظرفية كما أشار له بقوله (في مكان) ، ويصح أن يكون مفعولا به على أن المعنى انتبذت أتت مكانا كما في السمين. وفي المصباح ما يؤيده ونصه: وانتبذت مكانا اتخذته بمعزل يكون بعيدا عن القوم اهـ.
قوله: (من الدار) أي دارها. قوله: (لتفلي) بوزن ترمي لأنه من باب رمى يرمي اهـ شيخنا.
قوله: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا أي ليبشرها بالغلام ولينفخ فيها فتحمل به، وقوله: فَتَمَثَّلَ لَها أي ظهر لها في صورة بشر تام الخلقة حسن الصورة أمرد جميلا وإنما ظهر لها في صورة البشر دون الملك لتأنس به ولا تنفر منه فتفهم كلامه اهـ شيخنا.
قوله: رُوحَنا (جبريل) عليه السّلام أي: لأن الدين يحيا به ويوحيه أو سماه اللّه روحه على المجاز محبة له وتقريبا، كما تقول لحبيبك: أنت روحي، قاله في الكشاف. قال شيخ الإسلام زكريا الأنصارى: فإن قلت: كيف قال اللّه تعالى ذلك مع اتفاق العلماء على أن الوحي لم ينزل على امرأة، ولهذا قالوا في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [القصص: 7] أنه وحي الهام وقيل: وحي منام؟
قلت: لا نسلم أن الوحي لم ينزل على امرأة، فقد قال مقاتل في قوله: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أنه كان وحيا بواسطة جبريل، والمتفق عليه أن المنفي وحي الرسالة لا مطلق الوحي، والوحي هنا إنما هو بشارة الولد لا بالرسالة اهـ كرخي.
قوله: فَتَمَثَّلَ لَها قد تكلموا في كيفية تمثله، فقال إمام الحرمين: يفني اللّه تعالى الزائد من خلقه أو يزيله عنه ثم يعيده إليه. يعني أن له أجزاء أصلية كما في الإنسان وأجزاء زائدة، وجزم ابن عبد السّلام بالإزالة دون الفناء. وقال ابن حجر: إن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفيه اللّه تعالى عن الرائي فقط اهـ كرخي.
قوله: سَوِيًّا أي لم ينقص من الصورة البشرية شيئا اهـ خازن.
وبشرا حال من فاعل تمثل، وسوغ وقوع الحال جامدة وصفها، فلما وصفت النكرة وقعت حالا اهـ سمين.
وفي البيضاوي: فتمثل لها بشرا سويا قيل: قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها، وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت، فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل متمثلا بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتأنس بكلامه، ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها اهـ.