الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 14
الْمَخاضُ وجع الولادة إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ لتعتمد عليه فولدت، والحمل والتصوير والولادة في ساعة قالَتْ للتنبيه يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا الأمر وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) شيئا متروكا لا يعرف يوسف المذكور فبقي متحيرا في أمرها كلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها وصلاحها وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل، فأول ما تكلم به أن قال: قد وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن أتكلم به أشفي صدري، فقالت: قل قولا جميلا، قال: أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر، وهل ينبت شجر من غير غيث، وهل يكون ذلك من غير ذكر؟ قالت: نعم ألم تعلم أن اللّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، ألم تعلم أن اللّه أنبت الشجر بالقدرة من غير غيث أو تقول إن اللّه تعالى لا يقدر أن ينبت الشجر حتى استعان بالماء، لو لا ذلك لم يقدر على إنباتها، قال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن اللّه يقدر على ما يشاء يقول له كن فيكون.
قالت مريم: ألم تعلم أن اللّه خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى. فعند ذلك زال ما في نفسه من التهمة وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل، فلما دنت ولادتها أوحى اللّه إليها أن اخرجي من أرض قومك، فذلك قوله تعالى: فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا اهـ خازن.
قوله: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ يقال جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد، وقوله: (جاء بها) أي ألجاها إلى جذع النخلة، والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه، فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا اهـ شيخنا.
قوله: (لتعتمد عليه) فاعتمدت عليه بصدرها وقيل: احتضنته وكان جذعا يابسا لا رأس له، فلما اعتمدت عليه اخضر وأطلع الجريد والخوص والثمر رطبا في وقت واحد، كما أن حمل عيسى وتصويره وولادته في وقت واحد اهـ شيخنا.
وكان الوقت شديد البرد اهـ خازن.
والمستفيض والمشهور أن ولادة عيسى عليه السّلام كانت ببيت لحم، وأنها لما هربت وخافت عليه اسرعت به وجاءت به إلى بيت المقدس فوضعته على صخرة فانخفضت الصخرة له وصارت كالمهد، وهي الآن موجودة تزار بحرم بين المقدس، ثم بعد أيام توجهت به إلى بحر الأردن فغمسته فيه وهو اليوم الذي يتخذه النصارى عيدا ويسمونه يوم الغطاس، وهم يظنون أن المياه في ذلك اليوم تقدست، فلذلك يغطسون في كل ماء. ومن زعم أنها ولدت بمصر قال بكورة اهناس فلم يثبت اهـ من البحر لأبي حيان واهناس بجانب البهنسا اهـ.
قوله: يا (للتنبيه) أي: لأن المنادى غير عاقل ليتني مت قبل هذا الأمر تمنت الموت من جهة الدين إذ خافت أن يظن بها السوء في دينها أو استحياء من الناس، فأنساها الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى، أو لعلها قالت ذلك لئلا تقع المصيبة بمن يتكلم فيها، وإلّا فهي راضية بما بشرت به فلا يرد السؤال كيف تمنت الموت مع أنها كانت تعلم أن اللّه تعالى بعث لها جبريل عليه السّلام ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين اهـ كرخي.
قوله: وَكُنْتُ نَسْيًا بكسر النون وقرئ نسيا بفتحها وهما بمعنى كالوتر بفتح الواو والوتر