الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 19
فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ أي الإنجيل وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)
وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ أي نفاعا للناس إخبار بما كتب له وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أمرني بهما ما دُمْتُ حَيًّا (31)
وَبَرًّا بِوالِدَتِي منصوب بجعلني مقدرا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا متعاظما شَقِيًّا (32) عاصيا لربه
وَالسَّلامُ من اللّه عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) يقال فيه ما تقدم في قوله: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وصف نفسه بصفات ثمانية أولها: العبودية فاعترف بها لئلا يتخذوه إلها، وآخرها: تأمين اللّه له في أخوف المقامات، وكل هذه الصفات تقتضي تبرئة أمه اهـ شيخنا.
قوله: أَيْنَ ما كُنْتُ أينما شرطية وجوابها إما محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما جعلني مباركا، وإما هو المتقدم عند من يرى ذلك ولا جائز أن تكون استفهامية لأنه يلزم أن يعمل فيها ما قبلها وأسماء الاستفهام لها صدر الكلام، فتعين أن تكون شرطية لأنها منحصرة في هذين المعنيين اهـ كرخي.
قوله: (أي نفاعا للناس) أي حيثما توجه لأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويرشد ويهدي اهـ كرخي.
قوله: (اخبار بما كتب له) أي في اللوح. أي: فالماضي بمعنى المستقبل، وقيل: أنه نبىء في المهد كيحيى فالماضي على حاله وتقديمه هذا التأويل على قوله: وَأَوْصانِي الخ يقتضي أن هذا الماضي على حقيقته وهو قول لبعض المفسرين قال: أنه أمر بهما أن يفعلهما في صغره إلى آخر عمره بدليل قوله: ما دُمْتُ حَيًّا اهـ شيخنا.
قوله: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أي زكاة المال إذا ملكته أو تطهير النفس عن الرذائل اهـ بيضاوي.
قوله: (أمرني بهما) أي بأن أفعلهما إذا بلغت، وقيل: بأن أفعلهما من الآن قولان للمفسرين اهـ شيخنا.
وفي الخازن: وقيل: المراد أن اللّه تعالى صيره حين انفصل عن أمه بالغا عاقلا وهذا القول أظهر اهـ.
قوله: وَبَرًّا العامة على فتح الباء وفيه تأويلان، أحدهما: أنه منصوب نسقا على مباركا أي وجعلني برا. والثاني: أنه منصوب فعل واختير هذا على الأول، لأن فيه فصلا كثيرا بجملة الوصفية ومتعالقاتها وقرئ بكسر الباء إما على حذف مضاف وإما على المبالغة في جعله نفس المصدر اهـ سمين.
قوله: (متعاظما) أي بل جعلني متواضعا كان من تواضعه أنه كان يأكل ورق الشجر ويجلس على التراب ولم يتخذ له مسكنا اهـ شيخنا.
قوله: وَالسَّلامُ أي الأمان من اللّه علي والألف واللام فيه للعهد لأنه قد تقدم لفظه في قوله وسلام عليه فهو كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: 16]