الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 22
صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (36) مؤد إلى الجنة
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي النصارى في عيسى أهو ابن اللّه أو إله معه أو ثالث ثلاثة فَوَيْلٌ فشدة عذاب لِلَّذِينَ كَفَرُوا بما ذكر وغيره مِنْ ويؤيده ما قرأه أبي إن اللّه بالكسر بدون واو، وقرأ الباقون بفتحها وفيها أوجه.
أحدها: أنها على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده، والتقدير ولأن اللّه ربي وربكم فاعبدوه كقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18] والمعنى لوحدانيته أطيعوه، وإليه ذهب الزمخشري تابعا للخليل وسيبويه.
الثاني: أنها عطف على الصلاة، والتقدير وأوصاني بالصلاة وبأن اللّه وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكي غيره، ويؤيده في مصحف أبي وبأن اللّه ربي بإظهار الباء الجارة.
الثالث: أن يكون في محل نصب نسقا على الكتاب في قوله: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ على أن يكون الخطاب بذلك لمعاصي عيسى عليه السّلام، والقائل لهم ذلك هو عيسى. وعن وهب:
عهد إليهم عيسى ان اللّه ربي وربكم قال هذا القائل، ومن كسر الهمزة يكون قد عطف ان اللّه على قوله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فهو داخل في حيز القول، وتكون الجمل من قوله: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الخ جمل اعتراض وهو من البعد بمكان اهـ.
قوله: هذا (المذكور) يعني القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة، وسمي هذا القول صراطا مستقيما تشبيها بالطريق لأنه المؤدي إلى الجنة كما صرح به في التقرير اهـ كرخي.
قوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ الخ أي أن النصارى تحزبوا وتفرقوا في شأن عيسى واختلفوا بعد رفعه إلى السماء ثلاث فرق: النسطورية والملكانية واليعقوبية اهـ خازن.
قوله: مِنْ بَيْنِهِمْ حال من الأحزاب، والمعنى حال كون الأحزاب بعضهم أي بعض النصارى، إذ بقي منهم فرقة أخرى مؤمنة يقولون إنه عبد اللّه ورسوله، وفي القرطبي: ذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قال:
اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو اللّه تعالى هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، فقالت الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، قال: هو ابن اللّه وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه فقال: هو ثالث ثلاثة اللّه إله وهو إله وأمه إله وهم الاسرائيلية ملوك النصارى، فقال الرابع: كذبت بل هو عبد اللّه وروحه ورسوله وكلمته وهم المسلمون. وكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال فاقتتلوا وظهروا على المسلمين، فذلك قول اللّه عز وجل: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: 21] قال قتادة: وهم الذين قال اللّه فيهم فاختلف الأحزاب من بينهم فاختلفوا فيه فصاروا أحزابا، وهذا معنى قوله الذي فيه يمترون اهـ.
قوله: (أهو ابن اللّه) هذا قول النسطورية، وقوله: (أو إله معه) قول الملكانية، وقوله: (أو ثالث ثلاثة) هذا قول اليعقوبية، والثلاثة اللّه وعيسى وأمه اهـ شيخنا.