الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 23
مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أي حضور يوم القيامة وأهواله
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ بهم صيغتا تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم يَوْمَ يَأْتُونَنا في الآخرة لكِنِ الظَّالِمُونَ من إقامة الظاهر مقام المضمر الْيَوْمَ أي في الدنيا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38) أي بين به صموا عن سماع الحق وعموا عن إبصاره أي قوله: لِلَّذِينَ كَفَرُوا وهم المختلفون عبر عنهم بالموصول إيذانا بكفرهم جميعا وإشعارا بعلة الحكم اهـ السعود.
قوله: مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ مشهد مفعل إما من الشهادة وإما من الشهود وهو الحضور، ومشهد هنا يجوز أن يراد به الزمان أو المكان أو المصدر، فإذا كان من الشهادة، والمراد به الزمان فتقديره: من وقت شهادة يوم، وإن أريد به المكان فتقديره: من مكان شهادة يوم وأن أريد به المصدر فتقديره من شهادة ذلك اليوم وأن تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم والملائكة والأنبياء، وإذا كان من الشهود وهو الحضور فتقديره: من شهود الحساب والجزاء يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف أو من وقت الشهود، وإذا كان مصدرا بحالتيه المتقدمتين فتكون إضافته إلى الظرف من باب الاتساع كقوله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] ويجوز أن يكون المصدر مضافا لفاعله على ما يجعل اليوم شاهدا بينهم إما حقيقة وإما مجازا اهـ سمين.
قوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ هذا لفظ أمر ومعناه التعجب وأصح الأعاريب فيه كما تقرر في علم النحو أن فاعله هو المجرور بالباء والباء زائدة وزيادتها لازمة إصلاحا للفظ لأن أفعل أمر ولا يكون فاعله ضميرا مستترا، ولا يجوز حذف هذه الباء إلا مع إن وأن. ولنا قول ثان أن الفاعل مضمر، والمراد به المتكلم كأن المتكلم يأمر نفسه بذلك والمجرور بعده في محل نصب، ويعزى هذا للزجاج، ولنا قول ثالث: وهو أن الفاعل ضمير المصدر والمجرور منصوب المحل أيضا، والتقدير أحسن يا حسن بزيد ولشبه هذا الفاعل عند الجمهور بالفضلة لفظا جاز حذفه للدلالة عليه كهذه الآية، وأن تقديره وأبصر بهم وفيه أبحاث موضوعها كتب النحو، وقيل: بل أمر حقيقة والمأمور هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى أسمع الناس وأبصرهم بهم وبحالهم ماذا نصنع بهم من العذاب وهو منقول عن أبي العالية اهـ سمين.
قوله: (صيغتا تعجب) يعني أن لفظهما الأمر ومعناهما التعجب فصح رفعهما الظاهر وزيد في فاعلهما الباء كما زيدت في فاعل كفى باللّه شهيدا، إلا أن الباء في فاعل التعجب لازمة وفي فاعل كفى جائزة اهـ كرخي.
وسيأتي أن هذا التعجب مصروف للمخاطبين والمراد به التعجب أي حمل المخاطب على التعجب، وليس المراد منه التعجب من المتكلم وهو اللّه تعالى لاستحالة هذا المعنى في حقه كما سيأتي. قوله: (من إقامة الظاهر مقام المضمر) أي للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم والأصل لكنهم اهـ أبو السعود.
قوله: فِي ضَلالٍ أي خطأ مبين. قوله: (به صموا) أي بسببه أي الضلال حصل لهم الصمم والعمى فهو متعلق بما بعده اهـ.