الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 24
اعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا في الدنيا صما عميا
وَأَنْذِرْهُمْ خوف يا محمد كفار مكة يَوْمَ الْحَسْرَةِ هو يوم القيامة يتحسر فيه المسيء على ترك الإحسان في الدنيا إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ لهم فيه بالعذاب وَهُمْ في الدنيا فِي غَفْلَةٍ عنه وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39) به
إِنَّا نَحْنُ تأكيد نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها من العقلاء وغيرهم بإهلاكهم وَإِلَيْنا قوله: (أي أعجب) أي تعجب منهم إلى قوله (في الآخرة) تفسير لقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، وقوله: (بعد أن كانوا الخ) تفسير لقوله: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ الخ اهـ شيخنا.
وإنما صرف التعجب إلى المخاطبين لظهور استحالة الحمل على التعجب من المتكلم نفسه، والمراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صما عميا في الدنيا أو أن المعنى أسمع هؤلاء وأبصرهم أي عرفهم حال اليوم الذي يأتوننا فيه ليعتبروا وينزجروا اهـ كرخي.
قوله: (يتحسر فيه المسيء الخ) أي ويتحسر فيه المحسن على ترك الزيادة في الإحسان كما في الحديث اهـ خازن.
قوله: إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ يجوز أن يكون منصوبا بالحسرة والمصدر المعرف بأل يعمل في المفعول الصريح عند بعضهم فكيف بالظرف، ويجوز أن يكون بدلا من يوم فيكون معمولا لأنذر كذا قال أو البقاء والزمخشري، وتبعهما الشيخ ولم يذكر غير البدل. وهذا لا يجوز أن كان الظرف باقيا على حقيقته إذ يستحيل أن يعمل المستقبل في الماضي فإن جعلت اليوم مفعولا به أي خوفهم نفس اليوم أي أنهم يخافون اليوم نفسه صح ذلك لخروج الظرف إلى حيز المفاعيل الصريحة اهـ سمين.
قوله: (فيه) أي يوم الحسرة. قوله: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ الخ الجملتان حال من الضمير في أنذرهم أي الضمير البارز اهـ شيخنا.
وتلك الحال متضمنة للتعليل اهـ بيضاوي.
أي أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار وهي الغفلة والكفر اهـ شهاب.
وفي السمين: قوله: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ جملتان حاليتان وفيهما قولان، أحدهما:
أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي استقروا في ضلال مبين على هاتين الحالتين السيئتين. والثاني: أنهما حالان من مفعول أنذرهم أي أنذرهم على هذه الحالة. وما بعدها، وعلى الأول يكون قوله: وَأَنْذِرْهُمْ اعتراضا اهـ.
قوله: (تأكيد) أي لفظ نحن تأكيد للضمير في إنا لأنه بمعناه اهـ شيخنا.
قوله: نَرِثُ الْأَرْضَ أي نستوعبها إرثا، وقوله: بإهلاك أهلها أي بسبب أهلاكهم فلا يبقى موجود غيرنا. وعبارة البيضاوي: إنا نحن نرث الأرض ومن عليها أي فلا يبقى لأحد غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك، أو نتوفى الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك توفي الوارث لأرثه اهـ.
وقوله: أو نتوفى الأرض أي نستوفيها ونأخذها ونقبضها بتشبيه الإفناء بأخذ العين وقبضها ببعض الوراث لما قبضه من مورثه وهو استعارة اهـ شهاب.