الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 26
نفع أو ضر
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا طريقا سَوِيًّا (43) مستقيما
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ بطاعتك إياه في عبادة الأصنام إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44) كثير العصيان
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ إن لم تتب فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45) ناصرا وقرينا في النار
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ فتعيبها لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عن التعرض لها قوله: (أو ضر) أي أو دفع ضر.
قوله: مِنَ الْعِلْمِ أي بعض العلم، أي علم الوحي أو التوحيد أو الآخرة، أقوال ثلاثة ذكرها أبو حيان اهـ شيخنا.
قوله: فَاتَّبِعْنِي أي في الإيمان والتوحيد. قوله: (بطاعتك إياه) أي فالمراد بعبادته المنهي عنها مطاوعته إياه في عبادة الأصنام التي يحسنها له بوسوسته اهـ شيخنا.
قوله: عَصِيًّا أي ومطاوعة العاصي عصيان، والعصيان يوجب النار، فلذلك قال له: يا أبت إني أخاف الخ اهـ شيخنا.
قوله: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ قال الفراء: أخاف أعلم، والأكثرون على أنه محمول على ظاهره، والقول الأول إنما يصح لو كان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام عالما بأن أباه سيموت على الكفر وذلك لم يثبت، فوجب إجراؤه على ظاهره، فإنه كان يجوز أن يؤمن فيصير من أهل الثواب، ويجوز أن يدوم على الكفر فيكون من أهل العقاب، ومن كان كذلك كان خائفا لا قاطعا، والأقلون فسروا الآية فقالوا أخاف بمعنى أعلم، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.
قوله: (ناصرا وقرينا) تفسير الولي بمجموع هذين تسمح إذ بعد مسيس العذاب ولا معاونة ولا نصرة، ولهذا اقتصر غيره على الشق الثاني كالبيضاوي فقال: وليا أي قرينا افي العذاب تليه ويليك اهـ.
والولي من الولى وهو القرب وكل من المتقارنين قريب من صاحبه اهـ شهاب.
قوله: قالَ أي أبوه. أراغب: مبتدأ وسوغه اعتماده على أداة الاستفهام أنت فاعل سد مسد خبره وهذا أولى من إعرابه. أنت مبتدأ وراغب خبر مقدم، كما ذهب إليه الزمخشري لأنه لا تقديم فيه ولا تأخير، إذ رتبة الفاعل التأخير عن رافعه ولأنه لا فصل فيه بين العامل الذي هو أراغب وبين معموله وهو عن آلهتي بأجنبي وهو أنت إذا كان مبتدأ، لأن الخبر ليس عاملا في المبتدأ. قال ابن مالك وغيره:
إن أنت مرفوع براغب وإلا يلزم الفصل بين راغب ومعموله هو عن آلهتي بأجنبي وهو أنت. وأجيب عنه بأن عن متعلقة بمقدر بعد أنت دل عليه أراغب اهـ كرخي.
قوله: قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي قابل استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظة وغلظة العناد فناداه باسمه، ولم يقابل يا أبتي بيا بني وأخره، وقدم الخبر على المبتدأ وصدره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجب كأنها مما لا يرغب عنه عاقل، ثم هدده فقال: لئن لم تنته أي عن مقالتك فيها أو الرغبة عنها لأرجمنك بلساني يعني الشتم والذم أو بالحجارة حتى تموت، أو تبعد عني.
واهجرني عطف على ما دل عليه لأرجمنك أي فاحذرني واهجرني مليا اهـ بيضاوي.