فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 57
أبصرت نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ شعلة في رأس فتيلة أو عود أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (10) أي هاديا يدلني على الطريق وكان أخطأها لظلمة الليل، وقال لعل لعدم الجزم بوفاء الوعد
فَلَمَّا والطور: الذي بين مصر وأيلة يكون على يسار المتوجه من مدين إلى مصر كما هو مشاهد اهـ.
قوله: إِنِّي آنَسْتُ أي: أبصرت، والإيناس: الإبصار البين، ومنه إنسان العين لأنه يبصر به الأشياء، وقيل: هو الوجدان، وقيل: الإحساس فهو أعم من الأبصار اهـ سمين.
قوله: (أبصرت) أي: إبصارا بيّنا لا شبهة فيه اهـ أبو السعود.
قوله: بِقَبَسٍ عبارة السمين: القبس: الجذوة من النار وهي الشعلة في رأس عود أو قصبة ونحوهما، وهو فعل بمعنى مفعول كالقبض والنفض بمعنى المنفوض، ويقال: أقبست الرجل علما وقبسته نارا ففرقوا بينهما هذا قول المبرد. وقال الكسائي: إن فعل وأفعل يقالان في المعنيين، فيقال:
قبسته نارا وعلما وأقبسته أيضا نارا وعلما، وقوله: منها يجوز أن يتعلق بآتيكم أو بمحذوف على أنه حال من قبس اهـ.
قوله: أَوْ أَجِدُ أو: مانعة خلو، وقوله: عَلَى النَّارِ أي عندها اهـ.
قوله: (هاديا) أشار به إلى أن انتصاب هدى على أنه مفعول به، وأنه بمعنى هاديا، فالمصدر بمعنى الوصف، ولعله لم يقل قوما يهدونني كما في الكشاف، إذ لا دليل على ما فوق الواحد، والظاهر أن أو في قوله: أَوْ أَجِدُ لمنع الخلو، ومعنى الاستعلاء في قوله: عَلَى النَّارِ أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في مررت بزيد إنه لصق بمكان يقرب من زيد اهـ كرخي أو أنها بمعنى عند.
قوله: (و كان أخطأها الخ) وذلك أنه سار على الطريق مخافة من ملوك الشام، وكانت الليلة ليلة جمعة، وكانت شديدة البرد والثلج والظلمة، وكانت امرأته حاملا فسار في البرية غير عالم بالطريق فألجأه السير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وأخذت امرأته في الطلق فولدت له ولدا في هذه الحالة وتفرقت ماشيته التي معه من شدة الظلمة، واشتد عليه الحال فأخذ يقدح زنده فلم تخرج منه النار، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور فقال لأهله: امكثوا الخ اهـ خازن.
قوله: (لعدم الجزم بوفاء الوعد) عبارة البيضاوي: ولما كان حصولهما مترقبا بني الأمر فيهما على الرجاء بخلاف الإيناس فإنه كان محققا ولذلك حققه لهم بإن ليوطنوا أنفسهم عليه اهـ.
قوله: فَلَمَّا أَتاها أي النار التي آنسها. قال ابن عباس: رأى شجرة خضراء طافت بها من أسفلها إلى أعلاها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها وشدة خضرة الشجرة، فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوأها، وقد قالوا: النار أربعة أصناف:
صنف يأكل ولا يشرب وهي نار الدنيا، وصنف يشرب ولا يأكل وهي نار الشجر الأخضر، وصنف يأكل ويشرب وهي نار جهنم، وصنف لا يأكل ولا يشرب وهي نار موسى عليه السّلام. وقالوا أيضا: هي أربعة أنواع: نوع له نور وإحراق وهي نار الدنيا، ونوع لا نور ولا إحراق وهي نار الأشجار، ونوع له نور بلا إحراق وهي نار موسى عليه السّلام، ونوع له إحراق بلا نور وهي نار جهنم اهـ أبو السعود.