الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 98
يا سامِرِيُ (95)
قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ بالياء والتاء أي علمت ما لم يعلموه فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ تراب أَثَرِ حافر فرس الرَّسُولِ جبريل فَنَبَذْتُها ألقيتها في صورة على موسى أي قولي لك اخلفني في قومي اهـ شيخنا.
لكن المفسرون على الاحتمال الثاني كالسمين والبيضاوي والخازن والخطيب، فكلهم اقتصروا على الاحتمال الثاني تأمل.
قوله: قالَ بَصُرْتُ يقال: بصر بالشيء أي علمه وأبصره أي نظر إليه كذا قال الزجاج، وقال غيره: بصر بالشيء وأبصره بمعنى علمه، والعامة على ضم الصاد في الماضي والمضارع من باب ظرف. وقرأ الأعمش وأبو السماك: بصرت بالكسر يبصروا به بالفتح وهي لغة، وعمرو بن عبيد بالبناء للمفعول في الفعلين أي: أعلمت بما لم يعلموا به اهـ سمين.
قوله: بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ وهو أن الرسول الذي جاءك روحاني محض لا يمس أثره ميتا إلا أحياء أو رأيت ما لم يروه وهو أن جبريل جاءك على فرس الحياة، وقوله: قَبْضَةً القبضة بالفتح المرة من القبض فأطلق على المقبوض كضرب الأمير اهـ بيضاوي.
قوله: (بالياء) أي بنو إسرائيل، وقوله: (و التاء) أي أنت يا موسى وقومك فالخطاب له ولهم أو لموسى فقط والجمع للتعظيم اهـ شيخنا.
قوله: مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فإن قلت: كيف عرف السامري الرسول الذي هو جبريل؟ قلت: سبب معرفته له أنه أي: جبريل ربى السامري وهو صغير أي: كان يتعهده وكان يلقمه أصابعه الثلاثة، فيخرج له من واحدة منها اللبن، ومن أخرى السمن، ومن أخرى العسل، فلما جاء جبريل ليطلب موسى إلى الميقات أي حضور جبل الطور ليأخذ التوراة، وكان راكبا على فرس كلما وضعت حافرها على شيء اخضرّ، فلما رآه السامري عرفه لسابق الألفة، وعرف أن للتراب الذي تضع الفرس حافرها عليه شأنا.
وسبب تربيته له أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فرعون فيها الولدان فوضعته في كهف خوفا عليه من القتل، فبعث اللّه إليه جبريل ليتعهده، وما قيل من أنه أخذ التراب من أثر فرس جبريل حين مرور البحر فلا يظهر هنا لأنه في ذلك الوقت لم يكن جائيا على أنه رسول، والسامري قال: من أثر الرسول، وأيضا كان السامري إذ ذاك مع بني إسرائيل وكانوا قد سبقوا القبط في عبور البحر، وجبريل كان أمام القبط يحتال في إدخالهم البحر اهـ شيخنا. وأصله في الخازن، وفي الرازي، وفي بعض حواشي البيضاوي عن ابن حجر.
وعبارة أبي السعود: من أثر الرسول أي الملك الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور للمناجاة وأخذ التوراة، ولعل ذكره بعنوان الرسالة للإشعار بوقوفه على ما لم يقف عليه القوم وللتنبيه على وقت أخذ القبضة اهـ.
قوله: (في صورة العجل) أي: في فمه، وقوله: (المصاغ) صوابه المصوغ كما في بعض النسخ ولأنه من باب قال كما في المختار اهـ شيخنا.