الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 109
الشجرة
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ قربه فَتابَ عَلَيْهِ قبل توبته وَهَدى (122) أي هداه إلى المداومة على التوبة
قالَ اهْبِطا أي آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذريتكما مِنْها من الجنة جَمِيعًا بَعْضُكُمْ بعض الذرية لِبَعْضٍ عَدُوٌّ من ظلم بعضهم بعضا فَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ أي القرآن فَلا يَضِلُ في الدنيا وَلا يَشْقى (123) في الآخرة
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي أي القرآن فلم يؤمن به فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة، وفسرت في حديث بعذاب الكافر في قبره قوله: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ أي: اصطفاه وقربه بالحمل على التوبة والتوفيق لها من جبى إلى كذا، فاجتبيته مثل جليت على العروس فاجتليتها وأصل الكلمة الجمع اهـ بيضاوي.
فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره اهـ شهاب.
قوله: فَتابَ عَلَيْهِ تقدم في سورة الأعراف ذكر الكلمات التي حصلت بها التوبة المذكورة في قوله: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] الآية اهـ شيخنا.
قوله: (إلى المداومة على التوبة) أي: الاستمرار والثبات عليها فلم ينقضها اهـ شيخنا.
قوله: (أي آدم وحواء) أي: حرف نداء، وآدم منادى مبني على الضم، وحواء معطوف عليه أو حرف تفسيره لضمير التثنية الواقع فاعلا، لكن الأول أظهر كما قال القاري، وقوله: (بما اشتملتما عليه الخ) غرضه من هذا أن الخطاب وإن كان لمثنى في اللفظ لكنه في المعنى للجمع، فيحصل التوفيق بين هذه الآية وآية الأعراف، وهي قوله: قالَ اهْبِطُوا الخ اهـ شيخنا.
وعبارة الكرخي: قوله: (بما اشتملتما عليه من ذريتكما) جواب سؤال وهو أن قوله: اهْبِطا إما أن يكون خطابا مع شخصين أو أكثر، فإن كان خطابا مع شخصين فكيف قال بعده فأما يأتينكم وهو خطاب الجمع، وإن كان خطابا لجمع فكيف قال اهبطا اهـ.
قوله: (من ظلم بعضهم) من: تعليلية أي من أجل ظلم بعضهم بعضا اهـ شيخنا.
قوله: (نون إن الشرطية) وفعل الشرط هو قوله يَأْتِيَنَّكُمْ، وجوابه الجملتان الشرطيتان، أولاهما: فمن اتبع، والثانية: ومن أعراض الخ اهـ شيخنا.
قوله: هُدىً أي: كتاب ورسول اهـ بيضاوي.
قوله: (أي القرآن) وكذا قوله: أي القرآن فيه قصور في الموضعين، لأن الخطاب مع ذرية آدم وهداهم وتذكيرهم أعم من أن يكون بالقرآن وبغيره من الكتب النازلة على الرسل. وعبارة أبي السعود:
فأما يأتينكم مني هدى من كتاب ورسول، فمن اتبع هداي وضع الظاهر موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ومن أعرض عن ذكري أي عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي فإن له في الدنيا معيشة ضنكا الخ اهـ.
قوله: (مصدر بمعنى ضيقة) أي: فلهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة فهذا من قبيل القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا