الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 17
هُدىً خبر ثان أي هاد لِلْمُتَّقِينَ (2) الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ يصدقون بِالْغَيْبِ بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار قوله: (أنه من عند اللّه) بدل من الضمير في فيه. قوله: (و الإشارة به) أي بذلك للتعظيم أي تعظيم المشار إليه لما فيه من لام البعد الدالة على بعد مرتبته وعلوها في الشرف. قوله: هُدىً أي رشاد وبيان فهو مصدر من هداه كالسرى والبكى اهـ. أبو السعود.
وفي السمين أنه يذكر وهو الكثير وبعضهم يؤنثه فيقول: هذه هدى اهـ.
قوله: لِلْمُتَّقِينَ جمع متق وأصله متقيين بباءين الأولى لام الكلمة والثانية علامة الجمع فاستثقلت الكسرة على لام الكلمة وهي الياء الأولى فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت احداهما وهي الأولى ومتق اسم فاعل من الوقاية أي المتخذ له وقاية من النار وتخصيص الهدى بالمتقين لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره وإن كانت هدايته شاملة لكل ناظر من مؤمن وكافر ولذلك أطلقت الهداية في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ [البقرة: 185] تأمل اهـ من أبي السعود.
قوله: (الصائرين إلى التقوى) أي ففيه مجاز الأول وذلك لأنهم لم يتصفوا بالتقوى إلا بعد هدايته وإرشاده لهم قوله: (بامتثال الأوامر) الباء لتصوير التقوى أو للسببية متعلقة بالصائرين اهـ. شيخنا.
وهذه تقوى الخواص وفوقها تقوى خواص الخواص وهي اتقاء ما يشغل عن اللّه ودونهما تقوى العوام وهي اتقاء الكفر بالإيمان، والآية يصح أن يراد منها الأقسام الثلاثة. قوله: (لاتقائهم) تعليل لتسميتهم متقين وإشارة إلى تقدير المفعول وقوله بذلك أي الامتثال والاجتناب اهـ شيخنا.
قوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إما موصول بالمتقين ومحله الجر على أنه صفة مقيدة له إن فسرت التقوى بترك المعاصي فقط مرتبة عليه ترتيب التحلية على التخلية أو موضحة ان فسرت التقوى بما هو المتعارف شرعا والمتبادر عرفا من فعل الطاعات وترك السيئات معا، لأنها حينئذ تكون تفصيلا لما انطوى عليه اسم الموصول اجمالا أو مادحة للموصوفين بالتقوى المفسرة بما مر من فعل الطاعات وترك السيئات، وتخصيص ما ذكر من الخصال الثلاث بالذكر لإظهار شرفها وإنافتها على سائر ما انطوى تحت اسم التقوى من الحسنات، أو النصب على المدح بتقدير أعني أو الرفع عليه بتقدير هم، وإما مفصول عنه مرفوع بالابتداء خبره الجملة المصدرة باسم الإشارة كما سيأتي بيانه. فالوقف على المتقين حينئذ وقف تام لأنه وقف على مستقل وما بعده أيضا مستقل، وأما على الوجوه الأول فالوقف حسن غير تام لتعلق ما بعده به وتبعيته له اهـ أبو السعود.
قوله: (بما غاب عنهم) أشار به إلى المصدر بمعنى اسم الفاعل. قال أبو السعود: والغيب إما مصدر وصف به الغائب مبالغة كالشهادة في قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الانعام: 73 والتغابن: 18] أي ما غاب عن الحس والعقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة وهو قسمان قسم لا دليل عليه وهو المراد من قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الأنعام: 59] وقسم قامت عليه البراهين كالصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها من الأحكام والشرائع واليوم الآخر وأحواله من البعث والنشر والحساب والجزاء، وهو المراد ههنا، فالباء صلة