فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 174
أي أهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ شك مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ أي أصلكم آدم مِنْ تُرابٍ ثُمَ خلقنا ذريته مِنْ نُطْفَةٍ منّي ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ وهي الدم الجامد ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ وهي لحمة قدر ما يمضغ مُخَلَّقَةٍ مصوّرة تامة الخلق وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ أي غير تامة الخلق لِنُبَيِّنَ لَكُمْ كمال قدرتنا لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته وَنُقِرُّ مستأنف فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقت خروجه ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم طِفْلًا بمعنى أطفالا ثُمَ نعمركم قوله: إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ معناه إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم من تراب الخ اهـ من أبي حيان.
وأشار له الشارح بقوله: (لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته) .
قوله: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ الخ تأمل في هذا الترتيب فإنه يقتضي أن الإنسان الكامل خلق أولا من نطفة، ثم ثانيا من علقة، ثم ثالثا من مضغة مع أن أصل الخلق من نطفه، ثم صارت النطفة علقة، ثم صارت العلقة مضغة كما يصرح به قوله في آية أخرى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً [المؤمنون: 14] الخ. وعن عبد اللّه: إذا وقعت النطفة في الرحم فأراد اللّه أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعرة، ثم تمكث أربعين يوما تصير دما في الرحم، فلذلك جمعها وقت جعلها علقة الخ. ولم يختلف العلماء في أن نفخ الروح فيه يكون يعد مائة وعشرين يوما وذلك تمام أربعة أشهر اهـ قرطبي.
قوله: (تامة الخلق) أي: قد تم تصويرها. وقوله: (أي غير تامة الخلق) أي غير مصورة أو غير تامة التصوير، وهذا تقسيم على سبيل التسمح، فإن كل مضغة تكون أولا غير مخلقة ثم تصير مخلوقة، ولو جاء النظم هكذا: ثم من نطفة غير مخلقة ثم من مخلقة لكان أوضح. وعبارة أبي السعود: مخلقة بالجر أي مستبينة الخلق مصورة، وغير مخلقة أي لم يستبن خلقها وصورتها بعد، والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر فيها من الأعضاء شيء ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا، وكان مقتضى الترتيب السابق المبني على التدريج من المبادىء البعيدة على القريبة أن يقدم غير المخلقة على المخلقة، وإنما أخرت عنها لأنها عدم الملكة اهـ.
وفي القرطبي: قال ابن زيد: المخلقة التي خلق اللّه فيها الرأس واليدين والرجلين وغير المخلقة التي لم يخلق فيها شيء. وقال ابن عباس: وفي العشر بعد الأشهر الأربعة تنفخ فيه الروح فهذه عدة الوفاة اهـ.
قوله: (كمال قدرتنا) أشار به إلى أن مفعول بين محذوف تقديره كمال قدرتنا، وقوله: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ متعلق بخلقناكم على أن اللام فيه للعاقبة، وقوله: (لتستدلوا) تعليل لقوله: لنبين لكم، أي: بيّنا لكم كمال قدرتنا لتستدلوا بقدرتنا، لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا إلى آخر المذكورة قدر على إعادة ما بدأه، بل هذا أهون في القياس المعتاد وقوله: (على إعادته) متعلق بتستدلوا اهـ شيخنا وأصله من أبي حيان.
قوله: (في ابتداء الخلق) بدل من قوله: بها أي أن في بمعنى الباء كما هو ظاهر اهـ.
قوله: طِفْلًا حال من مفعول نخرجكم، وإنما وحد لأنه في الأصل مصدر كالرضا والعدل،