فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 184
يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18) من الإهانة والإكرام
هذانِ خَصْمانِ أي المؤمنون خصم والكفار خصم وهو يطلق على الواحد والجماعة اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ أي في دينه فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ قوله: هذانِ خَصْمانِ نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحرث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقال ابن عباس: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب حيث قال أهل الكتاب: نحن أولى باللّه وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم، وقال المسلمون: نحن أحق باللّه منكم آمنا بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبنبيكم وبما أنزل اللّه من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا وكفرتم حسدا. وقيل: الخصمان الجنة والنار وهو ضعيف اهـ خازن.
وفي تذكرة القرطبي: روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «احتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين، فقال اللّه تعالى لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها» وخرجه مسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ومعنى احتجت النار والجنة أي:
حجت كل واحدة منهما صاحبتها وخاصمتها اهـ.
قوله: (أي المؤمنون خصم) ليس في هذا التركيب الإخبار بالمفرد عن الجمع لما ذكر الشارح أنه يطلق على الواحد والجماعة أي: بلفظ واحد، وقد يعبر فيه بلفظ الجمع والتثنية. وفي السمين:
الخصم في الأصل مصدر وذلك يوحد ويذكر غالبا، وعليه قوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ص: 21] ويجوز أن يثنى ويؤنث وعليه هذه الآية، ولما كان كل خصم فريقا يجمع طوائف قال اختصموا بصيغة الجمع كقوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: 9] فالجمع مراعاة للمعنى، وقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا هذه الجملة تفصيل وبيان لفصل الخصومة المعني بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وعلى هذا فيكون قوله: هذان خصمان معترضا، والجملة من اختصموا حالية وليست مؤكدة لأنها أخص من مطلق الخصومة المفهومة من خصمان اهـ.
قوله: (أي في دينه) يعني أن بعضهم أثبته وبعضهم أنكره اهـ شيخنا.
وأشار بذلك إلى أن في ربهم على حذف مضاف. قال أبو حيان: والظاهر أن الاختصام وهو في الآخرة بدليل التقسيم بالفاء الدالة على التعقيب في قوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا، ولذلك قال علي رضي اللّه عنه: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي اللّه تعالى، وإن قلنا هذا الحكم والفصل في الدنيا لا في يوم القيامة، فالجواب: أنه لما كان تحقيق مضمونه في ذلك اليوم صح جعل يوم القيامة ظرفا له بهذا الاعتبار اهـ كرخي.
قوله: قُطِّعَتْ لَهُمْ الخ أي: قدرت لهم على قدر جثثهم، لأن الثياب الجدد تقطع وتفصل على مقدار بدن من يلبسها، فالتقطيع مجاز عن التقدير بذكر المسبب وهو التقطيع وإرادة السبب وهو التقدير والتخمين، والظاهر أنه بعد ذلك جعل تقطيعها استعارة تمثيلية تهكمية شبه إعداد النار وإحاطتها بهم بتفصيل ثياب لهم، وجمع الثياب لأن النار لتراكمها عليهم كالثياب الملبوس بعضها فوق بعض، وهذا