فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 185
مِنْ نارٍ يلبسونها يعني أحيطت بهم النار يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) الماء البالغ نهاية الحرارة
يُصْهَرُ يذاب بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ من شحوم وغيرها وَتشوى به الْجُلُودُ (20)
وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) لضرب رؤوسهم
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أي النار مِنْ غَمٍ أبلغ من جعلها من مقابلة الجمع بالجمع والتعبير بالماضي لأنه بمعنى إعدادها لهم اهـ من الشهاب.
قوله: (يعني أحيطت بهما النار) أي: جعلت محيطة بهم وإشار به إلى أن في الكلام استعارة عن إحاطة النار بهم كما يحيط الثوب بلابسه، ولما كان الثوب ظاهرا فيما يغطي الجسد غير الرأس ذكر ما يصيب الرأس بقوله: يُصَبُّ. وعن ابن عباس: لو سقطت من الحميم نقطة عل جبال الدنيا لأذابتها، ولما ذكر ما يعذب به ظاهر الجسد ذكر ما يعذب به باطنه وهو الحميم الذي يذيب ما في البطون من الأحشاء، ويصل ذلك الذوب إلى الظاهر فيؤثر فيه تأثيره في الباطن كما قال تعالى: فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: 15] اهـ من البحر.
وفي الحديث: «إن الحميم ليصب من فوق رؤوسهم فينفذ من جمجمة أحدهم حتى يخلص إلى جوفه فيسلب ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان» . أخرجه الترمذي وقال:
حديث حسن صحيح اهـ خازن.
قوله: يُصَبُ هذه الجملة يحتمل أن تكون خبرا ثانيا للموصول، وأن تكون حالا من الضمير في لهم، وأن تكون مستأنفة وقوله: يُصْهَرُ بِهِ جملة حالية من الحميم، والصهر: الإذابة، يقال:
صهرت الشحم من باب قطع إذا أذبته، والصهارة الآلية المذابة وصهرته الشمس أذابته. وقوله:
وَالْجُلُودُ فيه وجهان، أظهرهما: عطفه على ما الموصولة أي: يذاب الذي في بطونهم من الأمعاء وتذاب أيضا الجلود أي: يذاب ظاهرهم وباطنهم. والثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر أي: وتخرق الجلود. قالوا: لأن الجلود لا تذاب إنما تنقبض وتكمش إذا صليت بالنار اهـ سمين.
وفي الكرخي: قوله: (تشوى به) الجلود يشير إلى أنه مرفوع بفعل مقدر، أي: لأن الجلود لا تذاب وهذا كقوله:
علفتها تبنا وماء باردا
أي: وسقيتها. ويجوز عطفه على ما الموصولة وتأخيره إما لمراعاة الفواصل أو للإشعار بغاية شدة الحرارة بايهام أن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر مع أن ملابستها على العكس اهـ.
قوله: وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ يجوز في هذا الضمير وجهان، أظهرهما: أنه يعود على الذين كفروا وفي اللام حينئذ قولان، أحدهما: أنها للاستحقاق، والثاني: أنها بمعنى على كقوله: وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ [الرعد: 25] ليس بشيء الوجه الثاني: أن الضمير يعود على الزبانية أعوان جهنم، ودل عليهم سياق الكلام وفي بعد. ومن حديد صفة لمقامع وهي جمع مقمعة بكسر الميم لأنها آلة القمع، يقال:
قمعه من باب قطع إذا ضربه بشيء يزجره ويذله والمقمعة المطرقة، وقيل: السوط اهـ سمين.
قوله: مِنْ غَمٍ من للتعليل متعلقة بيخرجوا. أي يخرجوا من أجل غم والإرادة هنا مجاز عن