فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 187
وبالنصب عطفا على محل من أساور وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (23) وهو المحرم لبسه على الرجال في الدنيا
وَهُدُوا في الدنيا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وهو لا إله إلا اللّه وَهُدُوا إِلى صِراطِ وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، فذلك قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ. قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. وفي الصحيح: تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء اهـ.
قوله: (بأن يرصع الخ) أي: يحلى. لأن الترصيع في اللغة أن يجعل في أحد جانبي العقد من اللآلىء مثل ما في جانب الآخر، يقال: تاج مرصع. أي محلّى بها. وفي المختار: الترصيع التركيب، وتاج مرصع بالجواهر، وسيف مرصع أي: محلى بالرصائع وهي حلق يحلى بها. الواحدة رصيعة اهـ.
والظاهر أن في عبارة المفسر قلبا، والأصل بأن يرصع الذهب باللؤلؤ كما يدل عليه عبارة البيضاوي. وفي آية الكهف يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الكهف: 31] وليس فيها لؤلؤ. وفي سورة هل أتى: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان: 21] ولم يذكر فيها اللؤلؤ ولا الذهب، فيجتمع لهم التزين بهذه الأمور بالذهب وحده وبالفضة وحدها وبالذهب واللؤلؤ اهـ شيخنا.
قوله: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ غيّر الأسلوب حيث لم يقل: ويلبسون فيها حريرا للمحافظة على الفواصل، لأنه لو قال ما ذكر لكان في آخر الفاصلة الألف في الكتابة والوقف بخلاف البقية اهـ شيخنا.
وفي الكرخي: غيّر أسلوب الكلام فيه حيث لم يقل: ويلبسون حريرا للدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة. فإن العدول إلى الجملة الاسمية يدل على الدوام، والمعنى أنه تعالى يوصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة فإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» ومحله فيمن مات مصرا على ذلك اهـ.
ثم رأيت في تذكرة القرطبي ما نصه: وفي الحديث: «إن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة» وكذلك لابس الحرير في الدنيا، وكذلك من استعمل آنية الذهب والفضة. عن أبي موسى الأشعري أنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين» .
فقيل: ومن الروحانيون يا رسول اللّه؟ قال: «قراء أهل الجنة» خرّجه الترمذي أبو عبد اللّه في نوادر الأصول. وقد قيل: إن حرمانه شرب الخمر ولباس الحرير وشربه في إناء الذهب والفضة، واستماعه للروحانيين إنما هو في الوقت الذي يعذب فيه في النار ويسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة ادخل الجنة ولم يحرم شيئا منها لا خمرا ولا حريرا ولا غيره، لأن حرمان شيء من لذات الدنيا لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، والجنة ليست بدار عقوبة ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه. قلت: حديث أبي سعيد، وأبي موسى يرد هذا القول، وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك بعقوبة كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة اهـ.
قوله: مِنَ الْقَوْلِ يجوز أن يكون حالا من الطيب وأن يكون حالا من الضمير المستكن فيه، ومن للتبعيض أو للبيان اهـ سمين.