فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 216
السَّماءَ من أَنَ أو لئلا تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فتهلكوا إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65) في التسخير والإمساك
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بالإنشاء ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انتهاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ عند البعث إِنَّ الْإِنْسانَ أي المشرك لَكَفُورٌ (66) لنعم اللّه بتركه توحيده
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا بفتح السين وكسرها شريعة هُمْ ناسِكُوهُ عاملون به فَلا يُنازِعُنَّكَ يراد به قوله: (من) أَنَ (أو لئلا) تَقَعَ إيضاحه: أن قوله أن تقع، أما في محل نصب أو جر على حذف حرف الجر تقديره: من أن تقع. وقيل: في محل نصب على المفعول لأجله، فالبصريون يقدرون كراهة أن تقع، والكوفيون لئلا تقع وإمساكها خلق السكون فيها اهـ كرخي.
وقد أشار الشارح للاحتمال الأول والثالث. قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ الظاهر أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال وهو لا يقع في الكلام الموجب، إلا أن قوله: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ في قوة النفي أي: لا يتركها تقع في حالة من الأحوال إلا في حالة كونها ملتبسة بمشيئة اللّه تعالى فالباء للملابسة اهـ زاده.
قوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا إنما حذف الواو هنا ولم يقل: ولكل أمة لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله، فلا جرم حذف العاطف. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن هذه مشتملة على النعم التكليفية والتي قبلها مشتملة على نعم غير تكليفية، وقوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ أي أهل دين، فالمراد بالأمة من له ملة وشرع، وإن نسخ دون المشركين فقط لقوله: جَعَلْنا، وإنما ذكر ثابتا وإن مرّ توطئة لما بعده، وتفسير المنسك بالشريعة ظاهر لأنه مأخوذ من النسيكة وهي العبادة، ولا وجه لحمله على موضع العبادة أو ووقتها لقوله: ناسِكُوهُ، وإلّا لقيل ناسكون فيه لأن العامل يتعدى إلى ضمير الظرف بفي اهـ من الشهاب والرازي وزاده.
قوله أيضا: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هذا كلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه عليه الصلاة والسّلام من أهل الأديان السماوية عن مفارقته عليه الصلاة والسّلام، أي: لكل أمة سنية من الأمم الخالية والباقية، جعلنا: أي وضعنا وعينا منسكا أي: شريعة خاصة أي: عينا كل شريعة لأمة معينة من الأمم بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتنا المعينة لها إلى شريعة أخرى لا استقلالا ولا اشتراكا، وقوله:
هُمْ ناسِكُوهُ صفة مؤكدة للقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور على الفعل، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهاالسّلام منسكهم التوراة، والأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منسكهم الإنجيل، والأمة الموجودة عند مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن بعدهم إلى يوم القيامة منسكهم القرآن لا غير، وقوله: فَلا يُنازِعُنَّكَ أي: لا ينازعك هؤلاء الأمم في أمر دينك زعما منهم أن شريعتهم ما عين لأبائهم الأولين من التوراة والإنجيل، فإنهما شريعتان لمن مضى من الأمم قبل انتساخهما، وأمة محمد منسكهم الفرقان، فالنهي باق على حقيقته أو هو عبارة عن نهيه عليه الصلاة والسّلام عن الالتفات إلى نزاعهم. وأما جعله عبارة عن نهيه عليه الصلاة والسّلام عن منازعتهم فلا يساعده المقام، وكذلك تخصيصه بأمر النسائك، وجعله عبارة عن قول الخزاعيين وغيرهم: ما قتل اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم لا سبيل إليه أصلا، لأنه يقتضي أن يكون أكل الميتة من جملة المناسك