الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 233
حالة جنون فَتَرَبَّصُوا بِهِ انتظروه حَتَّى حِينٍ (25) إلى زمن موته
قالَ نوح رَبِّ انْصُرْنِي عليهم بِما كَذَّبُونِ (26) أي بسبب تكذيبهم إياي بأن تهلكهم قال تعالى مجيبا دعاءه
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ السفينة بِأَعْيُنِنا بمرأى منا وحفظنا وَوَحْيِنا أمرنا فَإِذا جاءَ قوله: (حالة جنون) أي: ففعلة مستعملة في الهيئة على حد قوله:
وفعله لهيئة كجلسة
اه شيخنا.
قوله: فَتَرَبَّصُوا بِهِ الخ عبارة البيضاوي: فتربصوا به فتحملوه وانتظروه حتى حين لعله يفيق من جنونه اهـ.
وفي الكرخي: فَتَرَبَّصُوا بِهِ انتظروه إلى زمن موته هذا كلام مستأنف، وهو أن يقول بعضهم لبعض: اصبروا فإنه إن كان نبيا حقا فاللّه ينصره ويقوي أمره فنتبعه حينئذ، وإن كان كاذبا فاللّه يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه، ويحتمل أن يكون متعلقا بما قبله أي: أنه مجنون فاصبروا إلى زمان تظهر عاقبة أمره فيه فإن أفاق وإلّا فاقتلوه اهـ.
قوله: قالَ (نوح) رَبِّ انْصُرْنِي أي قال ذلك بعد أن أيس من إيمانهم اهـ بيضاوي.
قوله: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ أن هي المفسرة لوقوعها بعد فعل فيه معنى القول وهو أوحى، فلا حاجة إلى جعلها مصدرية، وسكت الشيخ عن ذلك لأنه الظاهر المتبادر اهـ.
قوله: بِأَعْيُنِنا حال من الضمير المستكن في صنع، والباء للملابسة، وجمع الأعين للمبالغة، وإن كانت العادة أن الرائي له عينان فقط، وقوله: (و حفظنا) أي لك عن أن تخطىء في صنعها أو يفسدها عليك غيرك اهـ شيخنا.
قوله: وَوَحْيِنا (أمرنا) أي: تعليمنا. فأوحى اللّه إلى جبريل فعلمه صنعتها وصنعها في عامين، وجعل طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وارتفاعها ثلاثين، وجعلها ثلاث طباق: السفلى للسباع والهوام، والوسطى للدواب والأنعام، والعليا للأنس اهـ شيخنا.
قوله: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا الفاء لترتيب مضمون ما بعدها على تمام صنع الفلك، والمراد بالأمر العذاب كما في قوله تعالى: قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود: 43] لا الأمر بالركوب، كما قيل: وبمجيئه كمال اقترابه. أي: ابتداء ظهوره إذا جاء أثر تمام الفلك عذابنا. وقوله: وَفارَ التَّنُّورُ عطف بيان لمجيء الأمر. روي أنه قيل له عليه السّلام: إذ فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك، وكان تنور آدم عليه السّلام فصار إلى نوح، فلما نبع منه الماء أخبرته امرأته فركبوا، واختلف في مكانه فقيل: كان بمسجد الكوفة أي في موضعه على يمين الداخل مما يلي باب كندة اليوم، وقيل: كان في عين وردة من الشام وقد مرّ تفسيره في سورة هود اهـ أبو السعود.
وكان ذلك التنور من حجر كانت تخبز فيه حواء فتوارثوه حتى وصل إلى نوح اهـ شيخنا.