الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 242
جملة واحدة
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ عيسى وَأُمَّهُ آيَةً لم يقل آيتين لأن الآية فيهما واحدة ولادته من غير فحل وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ مكان مرتفع وهو بيت المقدس أو دمشق أو فلسطين أقوال ذاتِ قَرارٍ أي مستوية يستقر عليها ساكنوها وَمَعِينٍ (50) أي ماء جار ظاهر تراه العيون
يا أَيُّهَا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى [القصص: 43] أي: فلا يصح رجوع الضمير إلى فرعون وقومه كما قيل به اهـ كرخي.
وإلى ذلك أشار الشارح بقوله: (و أوتيها بعد هلاك فرعون وقومه) اهـ.
قوله: (جملة واحدة) يحتمل أن يكون راجعا لقوله: (و أوتيها) ، وأن يكون راجعا لهلاك فرعون وقومه، والظاهر من صنيعه الثاني وإلّا لقدمه اهـ شيخنا.
قوله: (لأن الآية فيهما واحدة) وذلك لأن ولادته من غير فحل أمر خارق للعادة وينسب لها وله، فيقال: ولدته من غير فحل، وولد هو من غير فحل اهـ شيخنا.
وفي الكرخي: قوله: (ولادته من غير فحل) أي فاشتركا جميعا في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة، وذلك لأن نفس المعجز ظهر فيهما لا أنه ظهر على يديهما، لأن الولادة فيه وفيهما بخلاف الآيات التي ظهرت على يده اهـ.
قوله: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ أي: أسكناهما وأنزلناهما في ربوة أي أوصلناهما إلى ربوة، وسبب ذلك أن ملك ذلك الزمان كان أراد أن يقتل عيسى فهربت به أمه إلى تلك الربوة، ومكث بها ثنتي عشرة سنة حتى هلك ذلك الملك اهـ من الخطيب.
والربوة بفتح الراء وضمها قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.
قوله: (و هو بيت المقدس) هو أعلى مكان من الأرض، فيزيد على غيره في الارتفاع ثمانية عشر ميلا فهو أقرب بقاع الأرض إلى السماء اهـ شيخنا.
قوله: (أو فلسطين) أو مصر كما حكاه الخازن والبيضاوي. قوله: وَمَعِينٍ اسم مفعول من عان يعين كباع يبيع فهو معين كمبيع فالميم زائدة، وأصله معيون كمبيوع دخله الاعلال اهـ شيخنا.
وفي السمين: قوله: وَمَعِينٍ صفة لموصوف محذوف أي وما معين، وفيه قولان، أحدهما:
أن ميمه زائدة وأصله معيون أي مبصر بالعين فأعل إعلال مبيع وبابه، وهو مثل قولهم: كبدته أي ضربت كبده، ورأسته أي أصبت رأسه، وعنته أي أدركته بعيني، ولذلك أدخله الخليل في مادة ع ي ن.
والثاني: أن الميم أصلية ووزنه فعيل مشتق من المعنى. واختلف في المعنى فقيل: هو الشيء القليل ومنه الماعون، وقيل: هو من معن الشيء معانة أي كثر، وقال الراغب: هو من معن الماء جرى، وسمي مجرى الماء معيان، وأمعن الفرس تباعد في عدوه، وأمعن بحقي ذهب به، وفلان معن في حاجته يعني سريع. قلت: وهذا كله راجع إلى معنى الجري والسرعة اهـ.
قوله: (تراه العيون) يقال: عانه إذا أدركه وأبصره بعينيه اهـ شيخنا.