الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 283
أَهْلِها فيقول الواحد: السّلام عليكم. أأدخل؟ كما ورد في حديث ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ من الدخول بغير استئذان لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) بإدغام التاء الثانية في الذال خيريته فتعملون به
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا يأذن لكم فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ بعد الاستئذان ارْجِعُوا فيأتي الأب فيدخل عليّ وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فنزلت هذه الآية، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن فأنزل اللّه:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ الآية اهـ.
قوله: غَيْرَ بُيُوتِكُمْ أي: ليس لكم عليها يد شرعية، أما المكتري والمستعير فكل منهما يدخل بيته فهو داخل في قول الشارح الآتي، وسيأتي أنهم إذا دخلوا الخ. قوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي:
تستأذنوا من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره، فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أو لا يؤذن له، أو من الاستئناس الذي هو خلاف الإيحاش، فإن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا أذن له استأنس، أو تتعرفوا هل ثم إنسان من الأنس اهـ بيضاوي.
قوله: (فيقول الواحد الخ) أشار بهذا إلى أن السّلام مقدم على الاستئذان. وفي الخازن: اختلفوا في أيهما يقدم فقيل: الاستئذان، وقال الأكثرون: السّلام. وتقدير الآية: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وهو كذلك في مصحف ابن مسعود، ويكون كل من السّلام والاستئذان ثلاث مرات يفصل بين كل مرتين بسكوت يسير، فالأول إعلام، والثاني للتهيؤ، والثالث استئذان في الدخول أو الرجوع، وإذا أتى الباب لم يستقبله من تلقاء وجهه بل يجيء من جهة ركنه الأيمن أو الأيسر، وقيل: إن وقع بصره على أحد في البيت قدم السّلام وإلّا قدم الاستئذان ثم يسلم اهـ.
وروى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن عبد اللّه قال: استأذنت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «من هذا؟» فقلت: أنا. فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنا أنا» كأنه كره ذلك. قال علماؤنا: إنما كره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك لأن قوله: أنا لا يحصل به تعريف، وإنما الحكم في ذلك أن يذكر اسمه كما فعل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وأبو موسى الأشعري لأن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب. وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في مشربة له فقال: السّلام عليك يا رسول اللّه السّلام عليكم أيدخل عمر؟ وفي صحيح مسلم أن أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: السّلام عليكم هذا أبو موسى، السّلام عليكم هذا الأشعري الحديث اهـ من القرطبي.
قوله: (من الدخول بغير استئذان) أي: ومن تحية الجاهلية حيث كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول: جئتكم صباحا جئتكم مساء، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف اهـ أبو السعود.
قوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ متعلق بمحذوف، أي: أنزل عليكم هذا، أو قيل لكم هذا إرادة أن تذكروا وتعلموا بما هو أصلح لكم اهـ بيضاوي.
قوله: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا (يأذن لكم) هذا النفي يصدق بما إذا لم يكن فيها أحد أصلا، وبما إذا كان فيها من لا يصلح للإذن، وبما إذا كان فيها من يصلح لكنه لم يأذن اهـ شيخنا.