الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 285
تظهرون وَما تَكْتُمُونَ (29) تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره، وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم يسلمون على أنفسهم
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ عما لا يحل لهم نظره، ومن زائدة وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عما لا يحل لهم فعله بها ذلِكَ أَزْكى أي خير لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (30) بالأبصار والفروج فيجازيهم عليه
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ عما لا قوله: (و سيأتي) أي: في آخر السورة، ومراد بهذا بيان مفهوم قوله: هنا غير بيوتكم، وعبارته:
فيما سيأتي في قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: 61] نصها بيوتا لا أهل لكم بها فسلموا على أنفسكم أي: قولوا السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فإن الملائكة ترد عليكم، وإن كان بها أهل فسلموا عليهم اهـ.
قوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ الخ شروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندراجا أوليا، ومفعول الأمر أمر آخر قد حذف تعويلا على دلالة جوابه أي: قل لهم غضوا فيغضوا من أبصارهم اهـ أبو السعود.
قوله: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ الغض: إطباق الجفن بحيث يمنع الرؤية اهـ سمين.
وفي المصباح: غض الرجل صوته وطرفه ومن صوته ومن طرفه غضا من باب قتل خفض، ومنه يقال: غض من فلان غضا وغضاضة إذا انتقصه اهـ.
وأدغم أحد المثلين هنا في الثاني بخلاف قوله الآتي يغضضن، وذلك لأن الثاني هنا متحرك فأدغم فيه الأول وفيما سيأتي ساكن فلم يتأت إدغام الأول فيه أشار له القرطبي.
قوله: (و من) أي: في قوله من أبصارهم زائدة أي: يغضوا أبصارهم كما في قوله: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ [الحاقة: 47] وهذا قول الأخفش ومنه سيبويه، ويجوز أن تكون للتبعيض، وعليه اقتصر القاضي كالكشاف لأنه يعفي عن النظر أول نظرة تقع من غير قصد، ويجوز أن تكون لبيان الجنس قاله أبو البقاء وفيه نظر من حيث إنه لم يتقدم مبهم يكون مفسرا بمن، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية قاله ابن عطية وعليه اقتصر أبو حيان في النهر، فإن قيل: كيف دخلت من في غض البصر دون حفظ الفرج؟
فالجواب: أن ذلك دليل على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وكذا الإماء المستعرضات للبيع، وأما الفروج فمضيق اهـ كرخي.
قوله: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ أفعل أما مجرد على معنى التفضيل، أو المراد أنه أزكى من كل شيء نافع أو بعيد عن الريبة اهـ شهاب.
قوله: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ أمر اللّه سبحانه المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا للمرأة أن تنظر إلى الرجل، فإن علاقتها به كعلاقته بها وقصدها منه كقصده منها. وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس إبليس على رأسها فزينها لمن ينظر، وإذا أدبرت جلس على عجيزتها فزينها لمن ينظر اهـ قرطبي.