الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 19
وغيرهما وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) يعلمون
أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ اندراج خاصين تحت عام إذ المراد بالأولين الذين آمنوا بعد الشرك والغفلة عن جميع الشرائع كما يؤذن به التعبير عن المؤمن به بالغيب وبالآخرين الذين آمنوا بالقرآن بعد الإيمان بالكتب المنزلة قبل كعبد اللّه ابن سلام وأضرابه، والمراد بما أنزل إليك هو القرآن بأسره والشريعة عن آخرها والتعبير عن إنزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا حينئذ لتغليب المحقق على المقدر أو لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحققه منزلة الواقع كما فيه قوله تعالى: إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [الأحقاف: 30] مع أن الجن ما كانوا سمعوا الكتب جميعا، ولا كان الجميع إذ ذاك نازلا، وبما أنزل من قبلك التوراة والإنجيل وسائر الكتب السالفة، وعدم التعرض لذكر ما أنزل إليه من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لقصد الإيجاز مع عدم تعلق الغرض بالتفصيل حسب تعلقه به في قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ [البقرة: 136] الآية. والإيمان بالكل جملة فرض عين، وبالقرآن تفصيلا من حيث أنا متعبدون بتفاصيله فرض كفاية، فإن في وجوبه على الكل عينا حرجا بينا وإخلالا بأمر المعاش وبناء الفعلين للمفعول للإيذان بتعيين الفاعل، وقد قرئا على البناء للفاعل اهـ أبو السعود.
قوله: وَبِالْآخِرَةِ أي بما فيها من الجزاء والحساب وغيرهما وبالآخرة متعلق بيوقنون ويوقنون خبر عن هم، وقدم المجرور للاهتمام به، كما قدم المنفق في قوله وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ لذلك، وهذه جملة اسمية عطفت على الجملة الفعلية قبلها فهي صلة أيضا ولكنه جاء بالجملة هنا من مبتدأ وخبر بخلاف وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ لأن وصفهم بالإيقان بالآخرة أوقع من وصفهم بالإنفاق من الرزق، فناسب التأكيد بمجيء الجملة الاسمية أو لئلا يتكرر اللفظ لو قيل وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ اهـ. سمين.
والإيقان اتقان العلم بالشيء بنفي الشك والشبهة عنه، ولذلك لا يسمى علمه تعالى يقينا أي يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان أهل الكتاب عليه من الشكوك والأوهام التي من جملتها زعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وإن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا، وهل هو دائم أو لا، وفي تقديم الصلة وبناء يُوقِنُونَ على الضمير تعريض بمن عداهم من أهل الكتاب فإن اعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول إلى مرتبة اليقين، والآخرة تأنيث الآخر كما أن الدنيا تأنيث الأدنى غلبتا على الدارين فجرتا مجرى الأسماء اهـ أبو السعود.
قوله: أُولئِكَ إشارة إلى الذين حكيت خصالهم الحميدة من حيث اتصافهم بها، وفيه دلالة على أنهم متميزون بذلك أكمل تميز، منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد مرتبتهم في الفضل هو مبتدأ. وقوله: عَلى هُدىً خبره وما فيه من الإبهام المفهوم من التنكير لكمال تفخيمه، كأنه قيل على هدى أي هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره وإيراد كلمة الاستعلاء بناء على تمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى بحال من يعلو الشيء ويستولي عليه، بحيث يتصرف فيه كيفما يريد، أو على استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارة تبعية