الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 319
وهو من صدقكم في مودته، المعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا أي إذا علم رضاهم به لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا مجتمعين أَوْ أَشْتاتًا متفرقين جمع شت نزل فيمن تحرج أي يأكل وحده وإذا لم يجد من يؤاكله يترك الأكل فَإِذا دَخَلْتُمْ وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال: تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذن فأنزل اللّه هذه الآية اهـ.
قوله: (من بيوت من ذكر) أي: الأصناف الأحد عشر، وخصوا بالذكر لأن العادة جارية بالتبسط بينهم اهـ بيضاوي.
قوله: (أي إذا علم رضاهم به) أي: بصريح اللفظ أو بالقرينة وإن كانت ضعيفة اهـ شيخنا.
وهذا التقييد هو المعتمد المفتى به ووراءه قول آخر يقول: يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يعلم رضاهم، وعبارة القرطبي: المسألة الرابعة: أو بيوت آبائكم إلى قوله: أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ قال بعض العلماء هذا إذا أذنوا له في ذلك، وقال آخرون: أذنوا له أو لم يأذنوا فله أن يأكل لأن القرابة التي بينهم إذن، وذلك لأن في تلك القرابة عطفا تسمح النفوس منهم بسبب ذلك العطف أن يأكل هذا من شيئهم ويسروا بذلك إذا علموا. وقال ابن العربي: أباح لنا الأكل من جهة النسب من غير استئذان إذا كان الطعام مبذولا، فإن كان محوزا دونهم لم يكن لهم أخذه، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار ولا إلى ما ليس بمأكول، وإن كان غير محوز عنهم إلا بإذن منهم اهـ.
ويرد على القول الأول أن يقال إذا كان الأكل من بيوت من ذكر مشروطا برضاهم فلا فرق بينهم وبين غيرهم من الأجانب وأجيب: بأن هؤلاء يكتفى فيهم أدنى قرينة بل ينبغي أن يشترط فيهم أن لا يعلم عدم الرضا بخلاف غيرهم من الأجانب فلا بد فيهم من صريح الإذن أو قرينة قوية هذا ما ظهر لي ولم أر من تعرض لذلك اهـ خطيب.
وفي أيضا: أن الأكل من بيوت من ذكر كان جائزا في صدر الإسلام ولو من غير رضاهم ثم نسخ اهـ.
قوله: (جمع شت) مصدر بمعنى التفرق. وفي المختار: أمر شت بالفتح أي: متفرق تقول شت الأمر يشت بالكسر من باب ضرب شتا وشتاتا بفتح الشين فيهما أي: تفرق اهـ.
قوله: (نزل فيمن تحرج الخ) أي: فهو كلام مستأنف مسوق لبيان حكم آخر من جنس ما بين قبله حيث كان فريق من المؤمنين، كبني ليث بن عمرو بن كنانة يتحرجون أن يأكلوا طعامهم منفردين، وكان الرجل منهم لا يأكل ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا، وربما قعد الرجل والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحافلات فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل. وقيل: كان الغني منهم يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه فيقول: إني أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير. وقيل: كان قوم من الأنصار لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاؤوا، وقيل: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا للأعمى وأشباهه طعاما على حدة، فبين اللّه