الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 321
فإن الملائكة ترد عليكم وإن كان بها أهل فسلموا عليهم تَحِيَّةً مصدر حيا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً يثاب عليها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي يفصل لكم معالم دينكم لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) لكي تفهموا ذلك
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ أي الرسول عَلى أَمْرٍ جامِعٍ كخطبة الجمعة لَمْ يَذْهَبُوا لعروض عذر لهم حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ قوله: تَحِيَّةً معمول لمقدر أي: فحيوا تحية، أو معمول لسلموا لأنه يلاقيه في المعنى، وكلام الشارح يحتمل كلا من الوجهين اهـ شيخنا.
وفي السمين: قوله: تَحِيَّةً منصوب على المصدر من معنى فسلموا فهو من باب قعدت جلوسا، وقد تقدم وزان التحية، ومن عند اللّه يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لتحية وأن يتعلق بنفس نحية أي تحية صادرة من جهة اللّه تعالى، ولا لابتداء الغاية مجاز إلّا أنه يعكر على الوصف تأخر الصفة الصريحة عن المؤولة وقد تقدم ما فيه اهـ.
قوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي: ثابتة بأمره مشروعة من لدته اهـ أبو السعود.
قوله: (يثاب عليها) تفسير المباركة. وأما طيبة فمعناها تطيب بها نفس المستمع اهـ شيخنا.
وفي البيضاوي: مباركة لأنها يرجى بها زيادة الخير والثواب طيبة تطيب بها نفس المستمع اهـ.
قوله: (لكي تفهموا ذلك) أي: معالم دينكم. قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ مبتدأ وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا خبر أي: إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان، نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كان يعرض بهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مجالسه وخطبه، وقوله: وَإِذا كانُوا مَعَهُ معطوف على آمنوا فهو صلة ثانية وهي محط الكمال، وأما المنافقون فكانوا إذا جلسوا في مجلسه ينظرون إلى الصحابة، فإذا رأوهم غافلين عنهم خرجوا وذهبوا خفية واستتارا من غير استئذان اهـ شيخنا.
قوله: عَلى أَمْرٍ جامِعٍ في جامع إسناد مجازي لأن الأمر لما كان سببا في جمعهم نسب الجمع إليه مجازا اهـ سمين.
قوله: (كخطبة الجمعة) أي: الأعياد والحروب اهـ بيضاوي.
وكصلاة الجمعة وباقي الصلوات واجتماعهم للتشاور في الأمور. قال المفسرون: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث يراه، فعرف أنه إنما قام ليستأذن لمن شاء منهم. قال مجاهد: وأذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيديه، قاله أهل العلم، وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وإذا استأذن الإمام إن شاء إذن له وإن شاء لم يأذن اهـ خازن.
قوله: لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ اعتبار هذا في كمال إيمانهم لأنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق، فإن ديدنه وعادته التسلل والفرار ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بغير إذنه، ولذلك أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فقال: إن الذين يستأذنونك إلى آخره فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة، وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك اهـ بيضاوي.