فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 361
أيام الدنيا أي في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس، ولو شاء لخلقهن في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ هو في اللغة سرير الملك الرَّحْمنُ بدل من ضمير استوى أي استواء يليق به فَسْئَلْ أيها الإنسان بِهِ بالرحمن خَبِيرًا (59) يخبرك بصفاته
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ لكفار مكة اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا بالفوقانية والتحتانية، قوله: (لأنه لم يكن ثم شمس) أي: واليوم والزمن الذي بين طلوعها وغروبها اهـ شيخنا.
قوله: (و العدول عنه) أي: عن خلقها في لمحة، وقوله: (التثبت) أي التأني في الأمور اهـ.
قوله: (هو في اللغة سرير الملك) أي: والمراد به هنا الجسم العظيم المحيط بالعالم الكائن فوق السموات السبع اهـ شيخنا.
قوله: الرَّحْمنُ من قرأ الرحمن بالرفع ففيه أوجه، أحدها: أنه خبر الذي خلق، أو يكون خبر مبتدأ مضمر أي هو الرحمن، أو يكون بدلا من الضمير في استوى، أو يكون مبتدأ وخبره الجملة من قوله: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا على رأي الأخفش، أو يكون صفة للذي خلق إذا قلنا إنه مرفوع. وأما على قراءة زيد بن علي بالجر فيتعين أن يكون نعتا اهـ سمين.
قوله: (أي استواء يليق به) هذا إشارة لمذهب السلف، وعلى مذهب الخلف يفسر الاستواء بالاستيلاء عليه بالتصرف فيه وفي سائر المخلوقات، وثم للترتيب الإخباري الذكري وليست للترتيب الزماني، فإن استيلاءه تعالى على العرش بالقهر والتصرف سابق على خلق السموات والأرض. قوله:
فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا به متعلق بخبيرا وقدم عليه لرعاية الفاصلة، أو هو متعلق باسأل أي: اسأل عنه خبيرا أي: عالما بصفاته اهـ شيخنا.
وعبارة أبي السعود: فاسأل به أي بتفاصيل ما ذكر إجمالا من الخلق والاستهزاء لا بنفسهما فقط، إذ بعد بيانهما لا يبقى إلى السؤال حاجة ولا في تعديته بالباء فائدة، فإنها مبنية على تضمينه معنى الاعتناء المستدعي لكون المسؤول أمرا خطيرا مهتما بشأنه غير حاصل للسائل. وظاهر أن نفس الخلق والاستواء بعد الذكر ليس كذلك، وما قيل من أن التقدير إن شككت فيه فاسأل به خبيرا على أن الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد غيره فهو بمعزل من السداد، بل التقدير إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيل ما ذكر فاسأل معتنيا به خبيرا عظيم الشأن محيطا بظواهر الأمور وبواطنها وهو اللّه سبحانه يطلعك على جلية الأمر، وقيل: فاسأل به من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكرنا، وقيل: الضمير للرحمن، والمعنى أن أنكروا إطلاقه على اللّه تعالى فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم، وعلى هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وما بعده خبره اهـ.
قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أي: قالوه لما أنهم ما كانوا يطلقونه على اللّه تعالى، أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره تعالى، ولذلك قالوا: أنسجد لما تأمرنا أي: للذي تأمرنا بالسجود له، أو لأمرك إيانا بالسجود من غير أن نعرف أن المسجود له ماذا. وقيل: لأن كان معربا لم يسمعوه، وقرئ يأمرنا بياء الغيبة على أنه قول بعضهم لبعض اهـ أبو السعود.