فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 367
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ المذكورة حَسَناتٍ في الآخرة وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) أي لم يزل متصفا بذلك
وَمَنْ تابَ من ذنوبه غير من ذكر وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا (71) أي يرجع إليه رجوعا فيجازيه خيرا
وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي الكذب والباطل وَإِذا مَرُّوا قوله: فَأُوْلئِكَ الخ الإشارة إلى الموصول وهو من والجمع باعتبار معناه وهو له يبدل اللّه الخ، بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم، أو يبدل ملكة المعصية ودواعيها في النفس بملكة الطاعة بأن يزيل الأولى ويأتي بالثانية مكانها، وقيل: يبدل بالشرك إيمانا وبقتل المؤمن قتل المشرك وبالزنا عفة وإحصانا اهـ أبو السعود.
فعلى هذا يكون التبديل في الدنيا. وفي القرطبي: قال النحاس: من أحسن ما قيل في التبديل أنه يكتب موضع كافر مؤمن وموضع عاص مطيع. وقال مجاهد، والضحاك: أي يبدلهم اللّه عن الشرك الإيمان. وروي نحوه عن الحسن، قال الحسن: وقوم يقولون التبديل في الآخرة وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم اللّه إيمانا من الشرك، وإخلاصا من الشك، وإحصانا من الفجور. وقيل:
التبديل عبارة عن الغفران أي: يغفر اللّه لهم تلك السيئات لا أنه يبدلها حسنات. قلت: ولا يبعد في كرم اللّه تعالى إذا صحت توبة العد أن يضع مكان كل سيئة حسنة، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ: «و أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» اهـ.
قوله: سَيِّئاتِهِمْ (المذكورة) وهي ثلاثة. قوله: (بذلك) أي: المذكور من المغفرة والرحمة.
قوله: مَنْ تابَ أي: عن المعاصي بتركها والندم عليها وعمل صالحا يتلافى به ما فرط، فإنه يتوب إلى اللّه يرجع إلى اللّه بذلك متابا مرضيا عند اللّه ماحيا للعقاب محصلا للثواب، أو يتوب متابا إلى اللّه الذي يحب التائبين ويحسن إليهم، أو فإنه يرجع إلى اللّه وإلى ثوابه مرجعا حسنا، وهذا تعميم بعض تخصيص اهـ بيضاوي.
ولما توهم اتحاد الشرط والجزاء أشار إلى توجيهه بوجوه حاصلها أن الجزاء فيه معنى زائد على ما في الشرط، وذلك المعنى مستفاد من قوله متابا، ومن تنكيره بعد تقييد ناصبه بكونه رجوعا إلى اللّه، فإن الشرط هو التوبة بمعنى الرجوع عن المعاصي، والجزاء هو الرجوع إلى اللّه أو مستفاد من لفظ الجلالة في قوله: يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ فإن اللّه لما كان يحب التائبين ويحسن إليهم كان قوله: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا في قوة أن يقول يتوب إلى من يحب التائبين ويحسن إليهم، فكأنه قيل: من تاب عن المعاصي إلى الطاعة في الدنيا فإن تلك التوبة منه في الحقيقة توبة إلى اللّه، أو مستفاد من لفظ المضارع بأن يراد بقوله: يتوب الرجوع إلى ثوابه في الآخرة بخلاف الوجهين الأولين، إذ ليس المراد به فيهما الرجوع في الآخرة اهـ زاده.
قوله: (غير من ذكر) أشار بذلك إلى أن العطف للمغايرة وبعضهم لم يقيد بهذا القيد وجعله من عطف العام اهـ شيخنا.
قوله: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ إما بمعنى لا يحضرون، فيكون الزور مفعولا به، وإما بمعنى الشهادة المعلومة فيكون الزور منصوبا بنزع الخافض أي: بالزور اهـ شيخنا.