فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 185
خضر تسرح في الجنة حيث شاءت لحديث بذلك وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) تعلمون ما هم فيه
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ للعدو وَالْجُوعِ القحط وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ بالهلاك وَالْأَنْفُسِ والوجع، ففيه دليل على أن المطيعين للّه يصل إليهم ثوابهم وهم في قبورهم في البرزخ، وكذا العصاة يعذبون في قبورهم. فإن قلت: نحن نراهم موتى فما معنى قوله بل أحياء، وما وجه النهي في قوله ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أموات؟ قلت: معناه لا تقولوا أموات بمنزلة غيرهم من الأموات، بل هم أحياء تصل أرواحهم إلى الجنان، كما ورد «أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة» فهو أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتا من جهة خروج الروح من أجسادهم، وجواب آخر: وهو أنهم أحياء عند اللّه تعالى في عالم الغيب لأنهم صاروا إلى الآخرة، فنحن لا نشاهدهم كذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أي لا ترونهم أحياء فتعلموا ذلك حقيقة، وإنما تعلمون باخباري إياكم به. فإن قلت: أليس ذلك سائر المطيعين من المسلمين للّه يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم، فلم خص الشهداء بالذكر. قلت: إنما خصهم لأن الشهداء فضلوا على غيرهم بمزيد النعيم، وهو أنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومأكلها، وغيرهم ينعمون بما دون ذلك. وجواب آخر: وهو أنه ردّ لقول من قال: من قتل في سبيل اللّه قد مات وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها، فأخبر اللّه تعالى بقوله:
بَلْ أَحْياءٌ فإنهم في نعيم دائم اهـ خازن.
قوله: (أرواحهم في حواصل طيور الخ) بمعنى أن الطيور للأرواح كالهوادج للجالس فيها اهـ شيخنا.
قوله: (تعلمون ما هم فيه) أي من الكرامة والنعيم وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك إلا بالكشف والوحي. هذا ما عليه أكثر المفسرين. قال ابن عادل: يحتمل أن حياتهم بالجسد وإن لم تشاهد، وأيده بأن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات بالاتفاق، فلو لم تكن حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره، ولم يكن له مزية.
وسيأتي لهذا مزيد بيان في آل عمران اهـ كرخي.
قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ هذا جواب قسم محذوف، ومتى كان جوابه مضارعا مثبتا مستقبلا وجب قرنه باللام وإحدى النونين خلافا للكوفيين حيث يعاقبون بينهما، ولا يجيز البصريون وذلك إلا في ضرورة وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون، وقد تقدم تحقيق ذلك وما فيه من الخلاف اهـ سمين.
قوله: (للعدو) اللام زائدة أو بمعنى من. وقوله: (القحط) تفسير بالسبب فإن القحط احتباس المطر وهو سبب للجوع اهـ شيخنا.
قوله: مِنَ الْأَمْوالِ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون متعلقا بنقص لأنه مصدر نقص. الثاني:
أن يكون في محل نصب صفة لمفعول محذوف نصب بهذا المصدر المنون، والتقدير ونقص شيئا كائنا من كذا. ذكره أبو البقاء، وتكون من على هذا للتبعيض. الثالث: أن يكون في محل جر صفة لنقص فيتعلق بمحذوف أيضا أي نقص كائن من كذا، وتكون من لابتداء الغاية اهـ سمين.