فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 380
فيما قبله يغيظ فرعون ولذلك
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
قالَ موسى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) أنه كذلك فآمنوا به وحده
قالَ فرعون لموسى لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) كان سجنه شديدا يحبس الشخص في مكان تحت القادر، ثم خص المشرق والمغرب لأنهما أوضح دلالة وأظهر، وذلك أنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وطلوع النهار، وأراد بالمغرب غرب الشمس وزوال النهار. ومعلوم أن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخرة على تقدير مستقيم لا يكون إلا بتقدير قادر حكيم اهـ من الكشاف.
قوله: (و هذا) أي: هذا الجواب وإن كان داخلا فيما قبله أي: في الجواب الذي قبله وهو قوله:
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا اهـ شيخنا.
وفي القرطبي: قال ربكم وربّ آبائكم الأولين جاء بدليل يفهمونه لأنهم يعلمون أنهم قد كان لهم آباء وأنهم قد فنوا وأنه لا بد لهم من مفن. وأنهم قد كانوا بعد أن لم يكونوا أنهم لا بد لهم من مكوّن اهـ.
قوله: (و لذلك) أي: لشدة غيظه قال: إن رسولكم الخ. وسماه رسولا استهزاء وقوله:
لَمَجْنُونٌ أي: لأني أسأله عن شيء وهو يجيبني عن آخر اهـ بيضاوي.
وفي أبي السعود: وأضافه إلى مخاطبيه ترفعا عن أن يكون مرسلا إلى نفسه اهـ.
قوله: قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أي: ليس ملكه كملكك لأنك إنما تملك واحدا لا يجري أمرك في غيره ويموت فيه من لا تحب أن يموت، والذي أرسلني يملك المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون، وقيل: علم موسى عليه السّلام أن قصده في السؤال معرفة عينه، فأجاب بما هو الطريق إلى معرفة الرب اهـ قرطبي.
قوله أيضا: قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما أي: فتشاهدون في كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات. إن كنتم تعقلون أي؛ إن كان لكم عقل علمتم أن لا جواب لكن فوق ذلك لاينهم أولا ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم وعارضهم بمثل مقالتهم اهـ بيضاوي.
وقوله: أي: كان لكم عقل يعني أنه نزل منزلة اللازم هنا لأنه أبلغ وأوفق بما قبله من رد نسبة الجنون إليه كما أشار له بقوله: عارضهم بمثل مقالتهم اهـ شهاب.
وقوله: لاينهم أي: عاملهم باللين والرفق حيث قال لهم أولا: إن كنتم موقنين، ثم خاشنهم أي: أغلظ عليهم في الرد بقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ اهـ شهاب.
وهذا جواب عما يقال قال أولا إن كنتم موقنين وآخرا إن كنتم تعقلون كما في الكشاف.
قوله: قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ هذا عدول عن المحاجة بعد الانقطاع إلى التهديد، وهكذا ديدن المعاند المحجوج، واستدل به على ادعائه الألوهية وإنكاره للصانع، وإن تعجبه بقوله ألا تستمعون إنما هو من نسبه الربوبية إلى غيره، ولعله كان دهريا اعتقد أن