الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 465
من جملة كلامها عنا أَنَّ النَّاسَ أي كفار مكة، وعلى قراءة فتح همزة أن تقدر الباء بعد تكلمهم كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (82) أي لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب، وبخروجها ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر كما أوحى اللّه إلى نوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
وَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ عباس، وقيل: من صخرة من شعب أجياد قاله عبد اللّه بن عمر، وقيل: من بحر سذوم قاله وهب بن منبه. وذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه. قلت: فهذه أقوال الصحابة والتابعين في خروج الدابة وصفتها، وهي ترد قول من قال من المفسرين إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر اهـ.
قوله: (تقول لهم) تفسير لتكلمهم، وقوله: (عنا) متعلق بمحذوف أي حال كونها حاكية وناقلة لما تقوله عنا بأن تقول: قال اللّه إن الناس الخ اهـ شيخنا.
وعبارة الكرخي: قوله: تقول لهم من جملة كلامها عنا الخ يشير به إلى أنه من الكلام والحديث، ويؤيده قراءة أبي تنبئهم، وقراءة يحيى بن سلام تحدثهم، ويجوز أن يكون بمعنى تجرحهم، ويدل عليه قراءة ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وأبي زرعة والجحدري تكلمهم بفتح التاء وسكون الكاف وضم اللام من الكلم وهو الجرح، وقد قرئ تجرحهم، وقد جاء في الحديث أنها تسم الكافر اهـ.
قوله: أَنَّ النَّاسَ قرأ الكوفيون بفتح أن والباقون بالكسر، فأما الفتح فعلى تقدير الباء أي: بأن الناس، ويدل عليه التصريح بها في قراءة عبد اللّه بأن الناس، ثم هذه الباء يحتمل أن تكون معدية وأن تكون سببية، وعلى التقديرين يجوز أن يكون تكلمهم بمعنييه من الحديث والجرح أي: تحدثهم بأن الناس أو بسبب أن الناس، أو تجرحهم بأن الناس أي: تسمهم بهذا اللفظ أو تسمهم بسبب انتفاء الإيمان. وأما الكسر فعلى الاستئناف ثم هو محتمل لأن يكون من كلام اللّه تعالى وهو الظاهر، وأن يكون من كلام الدابة فيعكر عليه بآياتنا، وحاصله: أن تكلمهم إن كان من الحديث، فيجوز أن يكون إما لإجراء تكلمهم مجرى تقول لهم كما جرى عليه الشيخ المصنف، وإما على إضمار القول أي:
فتقول كذا وهذا القول تفسير لتكلمهم اهـ كرخي.
قوله: (أي كفار مكة) تبع في هذا التفسير الخازن، وعبارته: يعني تخبر الناس أن أهل مكة لم يوقنوا بالقرآن والبعث اهـ.
وهذا غير ظاهر لأن إخبارها في آخر الزمان للموجودين إذ ذاك بأن أهل مكة الذين كفروا به صلّى اللّه عليه وسلّم وعاصروه كانوا لا يوقنون لا فائدة فيه، فالأولى حمل الناس على الموجودين وقت خروجها من الكفار كما صنع جمهور المفسرين. قوله: (و النهي عن المنكر) في نسخة بعد هذا، ولا يبقى ولا تائب ولا يؤمن الخ. وقوله: ولا يبقى نائب أي: لا يوجد في ذلك الوقت من ينوب إلى اللّه أي: يتيقظ من غفلته، ولا تائب أي: لا تقبل توبة تائب من العصاة، ولا يؤمن كافر أي: لا يقبل إيمانه اهـ شيخنا.
قوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُ الخ بيان إجمالي لحال المكذبين عند قيام الساعة بعد بيان بعض مبادئها بقوله: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ الخ [النمل: 82] . والمراد بهذا الحشر هو الحشر الخاص بهم