الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 467
يَنْطِقُونَ (85) إذ لا حجة لهم
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ كغيرهم وَالنَّهارَ مُبْصِرًا بمعنى يبصر فيه ليتصرفوا فيه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) خصوا بالذكر لانتفاعهم بها في الإيمان بخلاف الكافرين
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ القرن النفخة الأولى من إسرافيل فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي خافوا الخوف المفضي إلى الموت، كما في آية أخرى فَصَعِقَ أو التعبير فيه بالماضي لتحقق وقوعه إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أي قوله: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ أي بحجة واعتذار اهـ شيخنا.
قوله: أَلَمْ يَرَوْا الخ الرؤية هنا قلبية لا بصرية، لأن نفس الليل والنهار وإن كانا من المبصرات لكن جعلهما كما ذكر من قبيل المعقولات اهـ أبو السعود.
قوله: أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ فيه حذف أي: مظلما يدل عليه والنهار مبصرا. وفي قفوله: وَالنَّهارَ مُبْصِرًا حذف أيضا دل عليه ليسكنوا فيه أي: ليتحركوا فيه أشار له الشارح بقوله: (ليتصرفوا فيه) ففي الكلام احتباك اهـ شيخنا.
قوله: (بمعنى يبصر فيه) أي: ففي الكلام إسناد عقلي من الإسناد إلى الزمان اهـ.
قوله: (ليتصرفوا) أي: ليتحركوا وينتشروا في مصالحهم، إذ هذا هو الذي يقابل السكون اهـ شيخنا.
قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي: الجعل المذكور لآيات أي: دالة على صحة البعث وصدق الآيات الناطقة به دلالة واضحة. كيف لا وإن من تأمل في تعاقب الليل والنهار واختلافهما على وجوه مبنية على حكم تحار في فهمها العقول، ولا يحيط بها إلا اللّه، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل المحاكية للموت بضياء النهار المضاهي للحياة، وعاين في نفسه تبدل النوم الذي هو أخو الموت بالتيقظ الذي هو مثل الحياة قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور، وجزم بأن اللّه تعالى قد جعل هذا أنموذجا ودليلا يستدل به على أن سائر الآيات حق نازل من عند اللّه اهـ أبو السعود.
قوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ معطوف على ويوم نحشر داخل معه في حكمه وهو الأمر بذكره اهـ شيخنا.
قوله: مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي: من كل من كان حيا ذلك الوقت لم يسبق له موت، أو كان ميتا لكنه حي في قبره كالأنبياء والشهداء، وقوله: (المفضي إلى الموت) هذا في حق الأحياء، ويزاد عليه فيقال: والمفضي بهم إلى الغشي والإغماء في حق الأموات الأحياء في قبورهم، وقوله: (أي جبريل وميكائيل الخ) استثناء من الفزع المفضي إلى الموت، فهؤلاء لا يموتون بالنفخة الأولى، وإنما يموتون بين النفختين، وقوله: (و عن ابن عباس هم الشهداء) هذا استثناء من الفزع المفضي إلى الغشي أي الإغماء: فالشهداء لا يغشى عليهم بالنفخة الأولى كما سيأتي تحقيقه إلى شاء اللّه في سورة الزمر.
قوله: (أي خافوا الخوف المفضي إلى الموت) أي: استمر بهم الخوف إلى أن ماتوا به، وقوله:
(كما في) آية أخرى سيأتي له في سورة الزمر تفسير الصعق بالموت، فالمراد من الآيتين نفخة واحدة،