الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 469
يرزقون وَكُلٌ تنوينه عوض عن المضاف إليه أي وكلهم بعد إحيائهم يوم القيامة أَتَوْهُ بصيغة الفعل واسم الفاعل داخِرِينَ (87) صاغرين والتعبير في الإتيان بالماضي لتحقق وقوعه
وَتَرَى الْجِبالَ تبصرها وقت النفخة تَحْسَبُها تظنها جامِدَةً واقفة مكانها وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ فهؤلاء كلهم لا يفضي بهم الفزع إلى الغشي والإغماء، بل هو أقل من ذلك. قال القشيري:
والأنبياء داخلون في الشهداء لأن لهم الشهادة مع النبوة اهـ كازروني.
قوله: (بصيغة الفعل) أي: الماضي فيقرأ بفتح الهمزة المقصورة، ثم التاء المفتوحة ثم الواو الساكنة. وقوله: (و اسم الفاعل) أي: يقرأ بمد الهمزة وضم التاء وسكون الواو، وأصله آتونه جمع آت فحذفت النون للإضافة اهـ. شيخنا.
قوله: (صاغرين) أي: صغار ذل وهيبة من الجبار، فيشمل هذا الطائعين والعاصين اهـ شيخنا.
وفي الكرخي: قوله: (صاغرين) الصغار في اللغة الذل أو أشده، والمراد به ذل العبودية والرق لا ذل الذنوب والمعاصي، وذلك يعم الخلق كلهم كما في قوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا [مريم: 93] اهـ.
وفي القاموس: دخر الشخص كمنع وفرح دخرا ودخورا صغر وذل وأدخرته بالألف للتعدية اهـ.
قوله: (و التعبير في الإتيان بالماضي) أي: إذا قرئ بصيغة الفعل الماضي وهي القراءة الأولى اهـ شيخنا.
قوله: وَتَرَى الْجِبالَ معطوف على ينفخ، وقوله: تَحْسَبُها حال من الجبال، وقوله:
جامِدَةً مفعول ثان، وقوله: وَهِيَ تَمُرُّ الخ حال من جامدة اهـ شيخنا.
قوله: (وقت النفخة) عبارة أبي السعود: وهذا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق يبدل اللّه عز وجل الأرض غير الأرض، ويغير هيئتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكون بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ [طه: 107] وقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: 48] فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل عليه السّلام، وبروز الخلق للّه تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية. وقالوا في تفسير قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [الكهف: 47] وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [الكهف: 47] وَحَشَرْناهُمْ [الكهف: 47] أن صيغة الماضي في المعطوف مع كون المعطوف عليه مستقبلا للدلالة على تقدم الحشر على التسيير والرؤية، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك هذا، وقد قيل إن المراد بالنفخة هي النفخة الأولى، والفزع هو الذي يستتبع الموت لغاية شدة الهول كما في قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر: 68] الخ فيختص أثرها بمن كان حيا عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم، وجوز أن يراد بإتيان داخرين، ورجوعهم إلى أمره تعالى وانقيادهم له، ولا وريب في أن ذلك مما ينبغي أن تنزه ساحة التنزيل عن أمثاله، وأبعد من هذا ما قيل: إن المراد بهذه النفخة نفخة الفزع التي تكون قبل نفخة الصعق، وهي التي أريد بقوله تعالى: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً