الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 471
آية أخرى عشر أمثالها وَهُمْ أي الجاؤون بها مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بالإضافة وكسر الميم وفتحها وفزع منونا وفتح الميم آمِنُونَ (89)
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي الشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ بأن وليتها وذكرت الوجوه لأنها موضع الشرف من الحواس فغيرها من باب أولى، ويقال لهم تبكيتا هَلْ أي ما تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) من الشرك والمعاصي قل لهم
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي مكة الَّذِي حَرَّمَها أي جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم قوله: (أي بسببها) أي: فمن سببية. قوله: (و ليس للتفضيل) أي: وليس خيرا أفعل تفضيل، إذ لو كان كذلك لكان المعنى فله أخير وأفضل منها أي: فله عبادة أفضل منها أي: الحسنة المذكورة مع أنها هي أفضل الأعمال والأفعال. هذا ما أشار له بقوله: (إذ لا فعل خير منها) أي: إذ لا طاعة أفضل من لا إله إلا اللّه اهـ.
قوله: وَهُمْ مبتدأ له: آمِنُونَ خبر. قوله: (بالإضافة) أي: إضافة فزع إلى يوم، وقوله: (و كسر الميم) أي: كسرة إعراب، وقوله: (و فتحها) أي: الميم أي: فتحة بناء لإضافة يوم إلى المبني، وهذا معطوف على كسر الميم فهو قراءة ثانية في الإضافة أي: فإذا قرئ بإضافة فزع إلى يوم جاز في الميم كسرها وفتحها قراءتان سبعيتان، وقوله: (و فزع منونا) معطوف على بالإضافة أي: ويقرأ بفزع منونا وفتح الميم لا غير، فهذه قراءة ثالثة سبعية أيضا، ولو عبّر بأو لكان أوضح بأن فزع منونا إلا أن يقال الواو بمعنى أو، وقوله: وفتح الميم أي: أنه ظرف لآمنون أو لمحذوف هو صفة للفزع أي:
فزع كائن يومئذ، والتنوين في يومئذ عوض عن جملة محذوفة أي: يوم إذ جاؤوا بالحسنة اهـ شيخنا.
فإن قلت: كيف نفى الفزع هنا، وقد قال قبله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [النمل: 87] ؟ قلت: إن الفزع الأول هو ما لا يخلو عنه أحد عند الإحساس بشدة تقع وهول يفجأ من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه، وأما الفزع الثاني فهو الخوف من العذاب فهم آمنون منه، وأما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد اهـ خازن.
قوله: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ أي: ألقوا فيها عليها، وقوله: (بأن وليتها) للضمير المستتر للوجوه والبارز للنار أو عكسه احتمالا كل منها جائز اهـ شيخنا.
قوله: (لأنها موضع الشرف) أي: الأشرف أو هو بمعنى الشريف اهـ شيخنا.
قوله: (و يقال لهم) أي: وقت كبهم على وجوههم في النار أي: تقول لهم خزنة جهنم ولو قال مقولا لهم الخ لكان أوضح، لأن قوله: هَلْ تُجْزَوْنَ في محل نصب على الحال من الهاء في وجوههم أي: كبت وجوههم في حال كونهم مقولا لهم الخ اهـ شيخنا.
قوله: (قل لهم) إِنَّما أُمِرْتُ الخ أمر بأن يقول لهم ذلك بعد ما بين لهم أحوال المبدأ والمعاد تنبيها لهم على أنه قد تم أمر الدعوة بما لا مزيد عليه، ولم يبق لهم بعد ذلك شأن سوى الاشتغال بعبادة اللّه والاستغراق في مراقبته غير مبال بهم ضلوا أو رشدوا أصلحوا أو أفسدوا ليحملهم ذلك على أن يهتموا بأمر أنفسهم ويشتغلوا بالتدبير فيما شاهدوه من الآيات اهـ شيخنا.
قوله: الَّذِي حَرَّمَها هذه قراءة الجمهور صفة لرب، وقرأ ابن مسعود، وابن عباس التي صفة