الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 6
فقالت: قد نزل بي ما نزل فليسعفني حبك إياي اليوم فعالجتها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نور بين عيني موسى فارتعش كل مفصل فيها ودخل حب موسى قلبها. قالت القابلة لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتيني إلا ومرادي قتل مولودك، ولكن وجدت لابنك هذا حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه فاحفظي ابنك. فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاؤوا على بابها ليدخلوا على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب فلفت موسى بخرقة وألقته في التنور وهو مسجور وطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع. قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور، ورأوا أم موسى ولم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ فقالت: هي مصافية لي فدخلت عليّ زائرة فخرجوا من عندها فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ فقالت: لا أدري فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل اللّه عليه النار بردا وسلاما فاحتملته قال: ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها وقذف اللّه في نفسها أن تتخذ له تابوتا ثم تقذف التابوت في النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من قوم فرعون فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ فقالت: لي ابن أخبئه في التابوت وكرهت الكذب. قال: ولم تقل أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته وانطلقت به انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما همّ بالكلام أمسك اللّه لسانه فلم يطق الكلام وجعل يشير بيده فلم يدر الأمناء ما يقول فأعياهم أمره. قال كبيرهم: اضربوه فضربوه وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه ردّ عليه لسانه فتكلم فانطلق أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ لسانه وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئا فضربوه وأخرجوه، فبقي حيران فجعل اللّه عليه أن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه، وأن يكون معه، ويحفظه حيثما كان وعرف اللّه منه الصدق فرد عليه لسانه وبصره فخر للّه ساجدا وقال: يا رب دلني على هذا العبد الصالح فدله اللّه عليه فآمن به وصدقه.
وقال وهب: لما حملت أم موسى كتمت أمرها عن جميع الناس، فلم يطلع على حبلها أحد من خلق اللّه وذلك شيء ستره اللّه تعالى لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي ولد فيها بعث فرعون القوابل إليهن ففتشن النساء تفتيشا لم يفتش قبل ذلك مثله، وحملت أم موسى فلم يتغير لونها ولم تكبر بطنها وكانت القوابل لا يتعرضن لها. فلما كانت الليلة التي ولدته فيها ولا رقيب لها ولا قابلة ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم، وأوحى اللّه إليها أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم وهو البحر ليلا. قال ابن عباس وغيره: كان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إليه وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها الأطباء والسحرة فنظروا في أمرها فقالوا: أيها الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر فيوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك وذلك في يوم كذا في ساعة كذا في شهر كذا حين تشرق الشمس. فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس له كان على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في