الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 18
بِالْأَمْسِ إِنْ ما تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) فسمع القبطي ذلك فعلم أن القاتل موسى، فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، فأمر فرعون الذباحين بقتل موسى، فأخذوا في الطريق إليه
وَجاءَ رَجُلٌ هو مؤمن آل فرعون مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ آخرها يَسْعى يسرع في مشيه من طريق أقرب من طريقهم قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ من قوم فرعون يَأْتَمِرُونَ بِكَ يتشاورون فيك لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ من المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) في الأمر بالخروج
فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ لحوق طالب أو غوث اللّه إياه قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) قوم فرعون
وَلَمَّا تَوَجَّهَ قصد بوجهه تِلْقاءَ مَدْيَنَ جهتها، وهي قرية شعيب مسيرة ثمانية أيام من مصر، سميت قوله: جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ الجبار: هو الذي يقتل ويضرب ولا ينظر في العواقب، وقيل: هو الذي يتعاظم ولا يتواضع لأمر اللّه اهـ خازن.
قوله: مِنَ الْمُصْلِحِينَ أي: بين الناس فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن اهـ بيضاوي.
قوله: (هو مؤمن ال فرعون) وهو ابن عم فرعون واسمه حزقيل، وقيل: شمعون، وقيل: سمعان وهو الذي ذكر في قوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: 28] الخ اهـ شيخنا.
قوله: يَسْعى يجوز أن يكون صفة وأن يكون حالا، لأن النكرة قد تخصصت بالوصف بقوله:
مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، فإن جعلت من أقصى متعلقا بجاء، فيسعى صفة ليس إلا قاله الزمخشري بناء منه على مذهب الجمهور، وقد تقدم أن سيبويه يجيز ذلك من غير شرط، وفي آية يس قدم من أقصى على رجل، لأنه لم يكن أقصاها وإنما جاء منها، وهنا وصفه بأنه من أقصاها وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان اهـ سمين.
فما هنا في قضية موسى، وما هناك في قضية حواريي عيسى اهـ.
قوله: (يتشاورون فيك) أي: في شأنك. وقيل: معناه يأمر بعضهم بقتلك اهـ خازن.
وهذا أقرب للفظ والمعنى اهـ شيخنا.
وفي البيضاوي: يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ يتشاورون بسببك، وإنما سمي التشاور ائتمارا لأن كلّا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر به اهـ.
قوله: إِنِّي لَكَ يجوز أن يتعلق لك بما يدل عليه الناصحين، أي: ناصح لك من جملة الناصحين أو بنفس الناصحين للاتساع في الظروف أو على جهة البيان أعني لك اهـ سمين.
قوله: (لحوق طالب الخ) قولان للمفسرين. قوله: قالَ رَبِّ نَجِّنِي أي: خلصني منهم واحفظني من لحوقهم اهـ بيضاوي.
قوله: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ الخ أي: قصد نحوها ماضيا إليها قيل: لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنه أهل مدين من ولد إبراهيم وهو من ولد إبراهيم، ومدين هو مدين بن إبراهيم قيل:
خرج موسى خائفا بلا ظهر ولا زاد ولا أحد: ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ونبات الأرض حتى ريئت خضرته في باطنه من خارج، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه. قال ابن عباس: وهو أول ابتلاء من اللّه لموسى اهـ خازن.