الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 21
أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فأجابها منكرا في نفسه أخذ الأجرة، كأنها قصدت المكافأة إن كان ممن يريدها، فمشت بين يديه فجعلت الريح تضرب ثوبها فتكشف ساقيها، فقال لها:
امشي خلفي ودليني على الطريق ففعلت، إلى أن جاء أباها وهو شعيب عليه السّلام وعنده عشاء، فقال له: اجلس فتعشّ، قال: أخاف أن يكون عوضا مما سقيت لهما، وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل خير عوضا، قال: لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام، فأكل وأخبره بحاله، قال تعالى فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ مصدر بمعنى المقصوص من قتله القبطي، وقصدهم قتله وخوفه من فرعون قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) إذ لا سلطان لفرعون على مدين
قالَتْ إِحْداهُما وهي المرسلة الكبرى أو الصغرى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ اتخذه أجيرا يرعى غنمنا أي بدلنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) أي استأجره لقوته وأمانته، فسألها عنهما فأخبرته بما تقدم من رفعه حجر البئر ومن قوله لها امشي خلفي، وزيادة بمعنى مع، أي: مع استحياء والاستحياء والحياء بالمد الحشمة والانقباض والانزواء. يقال: استحيت بياء واحدة وبياءين ويتعدى بنفسه وبالحروف فيقال: استحيته واستحيت منه اهـ من المصباح.
قوله: (كم درعها) أي: قميصها. قوله: أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ما مصدرية. قوله: (منكرا في نفسه أخذ الأجرة) أي: فلم تكن إجابته لهذا الغرض بل كانت لأجل التبرك بأبيها لما سمع منها أنه شيخ كبير اهـ شيخنا.
وفي الكرخي: قوله: (فأجابها منكرا الخ) جواب عن سؤال كيف أجاب دعوتها مع قولها المذكور، والحال أنه لم يسق لهم طلبا للأجر وإن سمي في الدعوة أجرا. وإيضاحه: أنه أجاب دعوتها ودعوة أبيها وهو منكر في نفسه أن سقيه كان لطلب الأجرة، وإنما هو لوجه اللّه تعالى وللتبرك برؤية الشيخ، ولذا امتنع من أكل طعامه إلى أن بيّن له أنه ليس للأجرة هذا وأن من فعل فعلا معروفا وأهدى بشيء لم يحرم أخذه، فهذا مبني على تسليم قبول شيء في مقابلة بره، والأول منع له. وفي الكشاف:
أن طلب الأجر لشدة الفاقة غير منكر وهو جواب آخر ويشهد لصحته لو شئت لا تخذت عليه أجرا اهـ.
قوله: (بين يديه) أي: أمامه. قوله: (مما سقيت) من بمعنى عن وما مصدرية. قوله: (و هي المرسلة) وهي التي تزوجها موسى اهـ أبو السعود.
قوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الخ تعليل للأمر قبله كما إشار له الشارح اهـ شيخنا.
وجعل خير اسما لإن مع أن الظاهر فيه أن يكون خبرا، ويكون القوي اسما لإن، وذلك لأن ما هو أعنى فهو بالتقديم أولى فإن شدة العناية والاهتمام لما كانت متعلقة بالخيرية قدمت وجعلت اسم إن، وذكر الفعل بلفظ الماضي ولم تقل تستأجر مع أنه الظاهر لأنه جعله لتحققه وتجربته منزلا منزلة ما مضى وعرف قبل اهـ شهاب وزاده.
قوله: (فسألها عنهما) بأن قال لها وما أعلمك قوته وأمانته اهـ أبو السعود.
قوله: (و زيادة) أي: وأخبرته بزيادة على بيان القوة والأمانة اهـ شيخنا.