الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 26
تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌ وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها وَلَّى مُدْبِرًا هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ أي يرجع فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)
اسْلُكْ أدخل يَدَكَ اليمنى بمعنى الكف فِي جَيْبِكَ هو طوق القميص وأخرجها تَخْرُجْ خلاف ما كانت عليه من الأدمة بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي برص فأدخلها وأخرجها تضيء كشعاع الشمس تغشى البصر وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ بفتح الحرفين وسكون الثاني مع فتح الأول وضمه، أي الخوف الحاصل من إضاءة اليد بأن تدخلها في جيبك فتعود إلى حالتها الأولى، وعبر عنها بالجناح لأنها للإنسان كالجناح للطائر فَذانِكَ بالتشديد والتخفيف أي العصا واليد وهما وهي التي ذكرها الشارح بقوله: (فألقاها) . قوله: (و هي الحية الصغيرة) يعني في أول وقت الإلقاء فلا يخالف هذا قوله: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [الأعراف: 107، الشعراء: 32] إذ يجوز أن يعظم ويكبر عقيب تلك الحالة بلا تأخير فيصير كالثعبان فيصح معنى المفاجأة حينئذ اهـ كرخي.
قوله: (من سرعة حركتها) تعليل للتشبيه أي: وشبهت بالجان من أجل سرعة حركتها.
قوله: وَلَّى مُدْبِرًا قال وهب: إنها لم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعتها حتى أن موسى سمع صرير أسنانها وقعقعة الشجر والصخر في جوفها، فحينئذ ولّى مدبرا اهـ خازن.
قوله: اسْلُكْ يَدَكَ السلك بالفتح والسلوك كل منهما مصدر لسلك الشيء في الشيء أنفذه فيه فإنه من بابي قعد ونصر اهـ من المصباح.
قوله: (من الأدمة) أي: السمرة. قوله: (تغشى البصر) أي: تغطيه. قوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ قال الزمخشري: فإن قلت: قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضمونا وفي الآخر مضموما إليه، وذلك قوله هنا: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ، وقوله في طه: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالجناح المضموم إليه هو اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح اهـ سمين.
قوله: مِنَ الرَّهْبِ أي: من أجله وهو متعلق باضمم. قوله: (بفتح الحرفين الخ) القراءات الثلاث سبعيات. قوله: (بأن تدخلها) تفسير للضم أي: تدخل اليد اليمنى التي حصل فيها البياض في جيبك فتعود إلى حالتها فيزول عنك الفزع الذي حصل لك اهـ شيخنا.
قال ابن عباس: أمره اللّه تعالى أن يضم يده إلى صدره فيذهب ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه اهـ خازن.
قوله: (كالجناح للطائر) فإن الطائر إذا خاف نشر جناحيه، وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه اهـ أبو السعود.
قوله: (بالتشديد والتخفيف) فالمشدد تثنية ذلك بلام البعد، فالتشديد عوض عنها في المفرد والمخفف تثنية ذاك بدونها اهـ شيخنا.