الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 49
يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ الأمم مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا للمال أي وهو عالم بذلك ويهلكهم اللّه وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) لعلمه تعالى بها فيدخلون النار بلا حسبا
فَخَرَجَ قارون عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ بأتباعه الكثيرين ركبانا، متحلين بملابس الذهب والحرير، على خيول وبغال متحلية قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ للتنبيه لَنا مِثْلَ ما قوله: (أي هو عالم بذلك) أي: بأن اللّه قد أهلكهم من قبله، والمقصود التعجب والتوبيخ، والمعنى أنه إذا أراد اهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافا، وسبب علمه باهلاك من قبله أنه قرأه في التوراة وسمع من حفاظ التواريخ اهـ كرخي.
قوله: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ أي: يسألهم اللّه عن كيفية ذنوبهم وكميتها إذا أراد أن يعاقبهم اهـ رازي.
قوله: (فيدخلون النار بلا حساب) هذا أحد قولين في المسألة والآخر وعليه الجمهور أنهم يحاسبون ويشدد عليهم كما قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 92] الآية. وفي الخطيب: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون اختلف في معناه فقال قتادة: يدخلون النار بغير سؤال ولا حساب، وقال مجاهد: لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفون بسيماهم، وقال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال توبيخ وتقريع، وقيل: المراد أن اللّه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى سؤالهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى السؤال، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ؟ [الحجر: 92] أجيب: بحمل ذلك على وقتين. وقال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة وقد يكون للتوبيخ والتقريع وقد يكون للاستعتاب. قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى: ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 35] اهـ.
قوله: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ معطوف على قال إنما أوتيته على علم وما بينهما اعتراض، وفي زينته متعلق بمحذوف حال من فاعل خرج أي خرج كائنا في زينته أي متزينا، وكان خروجه يوم السبت، وقوله: (باتباعه الكثيرين) كانوا أربعة آلاف على زيه وكان عن يمينه ثلاثمائة غلام وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج، وقيل: كان أتباعه تسعين ألفا عليهم المعصفرات وهو أول يوم رئي في المعصفر، وكانت خيولهم وبغالهم متحلية بالديباج الأحمر، وكانت بغلته شهباء أي بياضها أكثر من سوادها سرجها من ذهب، وكان على سرجها الأرجوان بضم الهمزة والجيم وهو قطيفة حمراء اهـ من النهر.
قوله: (بأتباعه) الباء: بمعنى مع أي مع أتباعه. قوله: (على خيول الخ) متعلق بركبانا.
قوله: قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا الخ وكانوا مؤمنين يحبون الدنيا تمنوا المال ليقربوا به إلى اللّه تعالى وينفقوه في سبيل الخير فتمنوا مثله لا عينه حذرا من الحسد، وقيل: كانوا كفارا اهـ رازي.