الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 118
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ منها: العلم والديانة والإصابة في القول، وحكمه كثيرة مأثورة، كان يفتي قبل بعثة داود، وأدرك بعثته وأخذ عنه العلم وترك الفتيا، وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا إلى الإعلام ببطلان ما هم عليه اهـ أبو السعود.
قوله: (و أنتم) أي يا أهل مكة منهم أي من الظالمين.
قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الخ كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان الشرك اهـ أبو السعود.
وهو اسم أعجمي فهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: عربي وهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، والأول أظهر اهـ شيخنا.
قيل: هو لقمان بن فاغور بن ناخور بن تارخ وهو آزر، فعلى هذا هو ابن أخي إبراهيم، وقيل:
كان ابن أخت أيوب، وقيل: كان ابن خالته، وقيل: إنه عاش ألف سنة حتى أدرك داود، وقيل: كان قاضيا في بني إسرائيل. واتفق العلماء على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا إلا عكرمة والشعبي فقالا بنبوته، وعلى هذا تكون الحكمة هي النبوة، وقيل: خيّر بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة. وروي أنه كان نائما في نصف النهار فنودي: يا لقمان هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض فتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت فقال: إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليّ فسمعا وطاعة فإني أعلم أن اللّه تعالى إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوت وهو لا يراهم: يا لقمان هل لك في الحكمة؟ قال: فإن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه المظلوم من كل مكان إن عدل نجا وإن أخطأ الطريق أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولم يصب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نودي بها داود بعده فقبلها يعني الخلافة، ولم يشترط ما اشترط لقمان فهو في الخطيئة غير مرة كل ذلك يعفو اللّه عنه، وكان لقمان يؤازر داود لحكمته. وقيل: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا. وقيل: كان خياطا. وقيل: كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألست فلانا الراعي؟ قال: بلى. قال: فيم بلغت ما بلغت؟ قال:
بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني. وقيل: كان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين، وقيل: خيار السودان ثلاثة بلال بن رباح، ومهجع مولى عمر، ولقمان، والنجاشي رابعهم اهـ خازن.
قوله: (منها العلم والديانة الخ) عبارة الخازن: والحكمة العقل والفهم، وقيل: العمل به ولا يسمى الرجل حكيما حتى يجمعهما. وقيل: الحكمة المعرفة والأمانة في الأمور، وقيل: الحكمة شيء يجعله اللّه في العقل ينوره به كما ينور البصر فيدرك المبصر اهـ.
قوله: (و حكمه كثيرة) قال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم وقضاياهم اهـ خازن.
وقوله: مأثورة أي: منقولة. قوله: (قال في ذلك) أي في شأن ذلك أي في شأن الاعتذار عن ترك الفتيا ألا أكتفي أي أستريح بترك الفتيا إذا كفيتها بقيام داود بها اهـ شيخنا.